موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/٢٨٢:٢٨٤)
نية الإقامة ومدتها المعتبرة:
٢٧ - نية الإقامة أمر لا بد منه عند الحنفية، حتى لو دخل مصرا ومكث فيه شهرا أو أكثر لانتظار قافلة، أو لحاجة أخرى يقول: أخرج اليوم أو غدا، ولم ينو الإقامة، فإنه لا يصير مقيما، وذلك لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أنه: أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين وكان يقصر الصلاة.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما -: أنه أقام بأذربيجان شهرا وكان يقصر الصلاة.
وعن علقمة: أنه أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر.
وروي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: يا أهل البلد: صلوا أربعا فإنا قوم سفر
أما مدة الإقامة المعتبرة: فأقلها خمسة عشرة يوما؛ لما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم - أنهما قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر.
قال الكاساني: وهذا باب لا يوصل إليه بالاجتهاد؛ لأنه من جملة المقادير، ولا يظن بهما التكلم جزافا، فالظاهر أنهما قالاه سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المالكية: لا بد من النية، وأقل مدة الإقامة أربعة أيام صحاح مع وجوب عشرين صلاة في مدة الإقامة، ولا يحتسب من الأيام يوم الدخول إن دخل بعد طلوع الفجر، ولا يوم الخروج إن خرج في أثنائه.
ولا بد من اجتماع الأمرين: الأربعة الأيام والعشرين صلاة.
واعتبر سحنون: العشرين صلاة فقط، ثم إن نية الإقامة إما أن تكون في ابتداء السير، وإما أن تكون في أثنائه، فإن كانت في ابتداء السير، وكانت المسافة بين النية وبين محل الإقامة مسافة قصر، قصر الصلاة حتى يدخل محل الإقامة بالفعل، وإلا أتم من حين النية، أما إن كانت النية في أثناء السفر فإنه يقصر حتى يدخل محل الإقامة بالفعل، ولو كانت المسافة بينهما دون مسافة القصر على المعتمد، ويستثنى من نية الإقامة نية العسكر بمحل خوف، فإنها لا تقطع حكم السفر.
وإذا أقام بمحل في أثناء سفره دون أن ينوي الإقامة به، فإن إقامته به لا تمنع القصر ولو أقام مدة طويلة إلا أنه إذا علم أنه سيقيم أربعة أيام في مكان عادة، فإن ذلك يقطع حكم السفر ولو لم ينو الإقامة؛ لأن العلم بالإقامة كالنية، بخلاف الشك فإنه لا يقطع حكم السفر
ويقول الشافعية: لو نوى المسافر المستقل، ولو محاربا إقامة أربعة أيام تامة بلياليها، أو نوى الإقامة وأطلق بموضع عينه، انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع سواء أكان مقصده أم في طريقه، أو نوى بموضع وصل إليه إقامة أربعة أيام انقطع سفره بالنية مع مكثه.
ولو أقام أربعة أيام بلا نية انقطع سفره بتمامها؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض. والسنة بينت أن ما دون الأربع لا يقطع السفر، ففي الصحيحين: يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار، فالترخص في الثلاث يدل على بقاء حكم السفر، بخلاف الأربعة، وألحق بإقامة الأربعة: نية إقامتها.
ولا يحسب من الأربعة يوما دخوله وخروجه إذا دخل نهارا على الصحيح، والثاني يحسبان بالتلفيق، فلو دخل زوال السبت ليخرج زوال الأربعاء أتم، وقبله قصر، فإن دخل ليلا لم تحسب بقية الليلة ويحسب الغد.
واختار السبكي من الشافعية: أن الرخصة لا تتعلق بعدد الأيام بل بعدد الصلوات، فيترخص بإقامة مدة يصلي فيها إحدى وعشرين صلاة مكتوبة؛ لأنه المحقق من فعله صلى الله عليه وسلم حين نزل بالأبطح.
ولو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت، أو حبسه الريح بموضع في البحر قصر ثمانية عشر يوما غير يومي الدخول والخروج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة.
وقيل: يقصر أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج، وفي قول: يقصر أبدا؛ لأن الظاهر أنه لو زادت حاجة النبي صلى الله عليه وسلم على الثمانية عشر لقصر في الزائد.
ولو علم المسافر بقاء حاجته مدة طويلة فلا قصر له على المذهب؛ لأنه ساكن مطمئن بعيد عن هيئة المسافرين
وعند الحنابلة: لو نوى إقامة أكثر من عشرين صلاة أتم لحديث جابر وابن عباس - رضي الله عنهم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثاني، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد عزم على إقامتها ولو نوى المسافر إقامة مطلقة بأن لم يحدها بزمن معين في بلدة أتم؛ لزوال السفر المبيح للقصر بنية الإقامة، ولو شك في نيته، هل نوى إقامة ما يمنع القصر أو لا؟ أتم؛ لأنه الأصل.
وإن أقام المسافر لقضاء حاجة يرجو نجاحها أو جهاد عدو بلا نية إقامة تقطع حكم السفر، ولا يعلم قضاء الحاجة قبل المدة ولو ظنا، أو حبس ظلما، أو حبسه مطر قصر أبدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة
فإن علم أو ظن أنها لا تنقضي في أربعة أيام لزمه الإتمام، كما لو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام. وإن نوى إقامة بشرط، كأن يقول: إن لقيت فلانا في هذا البلد أقمت فيه وإلا فلا، فإن لم يلقه في البلد فله حكم السفر؛ لعدم الشرط الذي علق الإقامة عليه؛ وإن لقيه به صار مقيما؛ لاستصحابه حكم نية الإقامة إن لم يكن فسخ نيته الأولى للإقامة قبل لقائه أو حال لقائه، وإن فسخ النية بعد لقائه فهو كمسافر نوى الإقامة، فليس له أن يقصر في موضع إقامته؛ لأنه محل ثبت له فيه حكم الإقامة، فأشبه وطنه
المغني -ابن قدامة- (٣/١٤٧:١٥٠)
مسألة؛ قال: (وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة، أتم).
المشهور عن أحمد، رحمه الله، أن المدة التي تلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. رواه الأثرم، والمروذى، وغيرهما. وعنه أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر. وهذا قول مالك، والشافعى، وأبي ثور؛ لأن الثلاث حد القلة، بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا" ولما أخلى عمر رضى الله عنه، أهل الذمة، ضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثا فدل على أن الثلاث في حكم السفر، وما زاد في حكم الإقامة. وروى هذا القول عن عثمان، رضى الله عنه. وقال الثورى، وأصحاب الرأى: إن أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر. وروى ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، والليث بن سعد؛ لما روى عن ابن عمر، وابن عباس، أنهما قالا: إذا قدمت وفى نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة. ولا يعرف لهما مخالف. وروى عن سعيد بن المسيب مثل هذا القول. وروى عنه قتادة، قال: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، وروى عن علي، رضى الله عنه، قال: يتم الصلاة الذي يقيم عشرا، ويقصر الصلاة الذي يقول: أخرج اليوم أخرج غدا. شهرا. وهذا قول محمد بن علي وابنه، والحسن بن صالح. وعن ابن عباس قال: إذا قدمت بلدة، فلم تدر متى تخرج، فأتم الصلاة، وإن قلت: أخرج اليوم، أخرج غدا. فأقمت عشرا، فأتم الصلاة. وعنه، أنه قال: إن النبى -صلى الله عليه وسلم- أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلى ركعتين. قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلى ركعتين، وإذا زدنا على ذلك أتممنا. رواه البخارى وقال الحسن: صل ركعتين ركعتين، إلى أن تقدم مصرا، فأتم الصلاة وصم. وقالت عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا. ولنا، ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة. متفق عليه وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم لصبح رابعة، فأقام النبى -صلى الله عليه وسلم- اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها. قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبى -صلى الله عليه وسلم- قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم. قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر. فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد. وقوله: أقام النبى -صلى الله عليه وسلم- عشرا يقصر الصلاة. فقال: قدم النبى -صلى الله عليه وسلم- لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة. ثم قال: وثامنة يوم التروية، وتاسعة وعاشرة. فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبى -صلى الله عليه وسلم- بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندى غير هذا. فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر فهذا يدل على أن من أقام إحدى وعشرين صلاة يقصر، وهى تزيد على أربعة أيام، وهذا صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام. وقول أصحاب الرأى: لم نعرف لهما مخالفا في الصحابة. غير صحيح، فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وذكرنا عن ابن عباس نفسه خلاف ما حكوه عنه. رواه سعيد في سننه، ولم أجد ما حكوه عنه فيه. وحديث ابن عباس في إقامة تسع عشرة، وجهه أن النبى -صلى الله عليه وسلم- لم يجمع الإقامة. قال أحمد: أقام النبى -صلى الله عليه وسلم- بمكة ثمانى عشرة زمن الفتح؛ لأنه أراد حنينا، ولم يكن ثم إجماع المقام وهذه هي إقامته التي رواها ابن عباس، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٣٦١:٣٦٢)
فقال الشافعي والأصحاب إذا نوى في أثناء طريقه الإقامة مطلقا انقطع سفره فلا يجوز الترخص بشئ بالاتفاق فلو جدد السير بعد ذلك فهو سفر جديد فلا يجوز القصر إلا أن يقصد مرحلتين هذا إذا نوى الإقامة في موضع يصلح لها من بلد أو قرية أو واد يمكن البدوي الإقامة به ونحو ذلك فأما المفازة ونحوها ففي انقطاع السفر والرخص بنية الإقامة فيها قولان مشهوران (أصحهما) عند الجمهور انقطاعه لأنه ليس بمسافر فلا يترخص حتى يفارقها
(والثاني)
لا ينقطع وله الترخص لأنه لا يصلح للإقامة فنيته لغو هذا كله إذا نوى الإقامة وهو ماكث أما إذا نواها وهو سائر فلا يصير مقيما بلا خلاف صرح به البندنيجي وغيره لان سبب القصر السفر وهو موجود حقيقة أما إذا نوى الإقامة في بلد ثلاثة أيام فأقل فلا ينقطع الترخص بلا خلاف وإن نوى إقامة أكثر من ثلاثة أيام قال الشافعي والأصحاب إن نوى إقامة أربعة أيام صار مقيما وانقطعت الرخص وهذا يقتضي أن نية دون أربعة لا تقطع السفر وإن زاد على ثلاثة وقد صرح به كثيرون من أصحابنا وفي كيفية احتساب الأربعة وجهان حكاهما البغوي وآخرون (أحدهما) يحسب منها يوما الدخول والخروج كما يحسب يوم الحدث ويوم نزع الخف من مدة المسح (وأصحهما) وبه قطع المصنف والجمهور لا يحسبان لما ذكره المصنف فعلى الأول لو دخل يوم السبت وقت الزوال بنية الخروج يوم الأربعاء: وقت الزوال صار مقيما وعلى الثاني لا يصير وإن دخل ضحوة السبت بنية الخروج عشية الأربعاء وأما قول إمام الحرمين والغزالي متى نوى إقامة زيادة على ثلاثة أيام صار مقيما فموافق لما قاله الأصحاب لأنه لا يمكن زيادة على الثلاث غير يومي الدخول والخروج بحيث لا يبلغ الأربعة
ثم الأيام المحتملة معدودة بلياليها ومتى نوى أربعة صار مقيما في الحال ولو دخل في الليل لم يحسب بقية الليل ويحسب الغد هذا كله في غير المحارب
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٣٦٤:٣٦٥)
في مذاهب العلماء في إقامة المسافر في بلد: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج انقطع الترخص وإن نوى دون ذلك لم ينقطع وهو مذهب عثمان بن عفان وابن المسيب ومالك وأبي ثور وقال أبو حنيفة والثوري والمزني إن نوى إقامة خمسة عشر يوما مع الدخول أتم وإن نوى أقل من ذلك قصر قال ابن المنذر وروي مثله عن ابن عمر قال وقال الأوزاعي وابن عمر في رواية عنه وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة إن نوى إقامة اثني عشر يوما أتم وإلا فلا وقال ابن عباس واسحق بن راهويه إن نوى إقامة تسعة عشر يوما أتم وإن نوى دونها قصر وقال الحسن بن صالح إن نوى إقامة عشرة أيام أتم قال ابن المنذر وبه قال محمد بن علي وقال أنس وابن عمر في رواية عنه وسعيد بن جبير والليث إن نوى أكثر من خمسة عشر يوما أتم وقال أحمد إن نوى إقامة تزيد على أربعة أيام أتم وإن نوى أربعة قصر في أصح الروايتين وبه قال داود وعن أحمد رواية أنه إن نوى إقامة اثنتين وعشرين صلاة أتم وإن نوى إحدى وعشرين قصر ويحسب عنده يوما الدخول والخروج قال ابن المنذر وروى عن بن المسيب قال ان قام
ثلاثا أتم قال وقال الحسن البصري يقصر إلا أن يدخل مصرا من الأمصار وعن عائشة نحوه قال وقال ربيعة إن نوى إقامة يوم وليلة أتم قال العبدري وحكي عن اسحق بن راهويه أنه يقصر أبدا حتى يدخل وطنه أو بلدا له فيه أهل أو مال قال القاضي أبو الطيب وروي هذا عن ابن عمر وأنس أما إذا أقام في بلد لانتظار حاجة يتوقعها قبل أربعة أيام فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يقصر إلى ثمانية عشر يوما
* وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد يقصر أبدا
* وقال أبو يوسف ومحمد هو مقيم