موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/٢١٦:٢٢٠)
بعض الأنواع المروية في صلاة الخوف:
٦ - الأول: صلاته صلى الله عليه وسلم: بذات الرقاع، فيفرق الإمام الجيش إلى فرقتين: فرقة تحمل في وجه العدو، وفرقة ينحاز بها إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو، فيفتتح بهم الصلاة، ويصلي بهم ركعة في الثنائية: الصبح والمقصورة، وركعتين في الثلاثية والرباعية، هذا القدر من هذه الكيفية اتفقت المذاهب الأربعة عليه.
واختلفوا فيما يفعل بعد ذلك، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إذا قام إلى الثانية في الثنائية، وإلى الثالثة في الثلاثية والرباعية خرج المقتدون عن متابعته، وأتموا الصلاة لأنفسهم، وذهبوا إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الحارسة. ويطيل الإمام إلى لحوقهم، فإذا لحقوه صلى بهم الركعة الثانية في الثنائية، والثالثة في الثلاثية، والثالثة والرابعة في الرباعية من صلاته، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الصلاة، والإمام ينتظرهم، فإذا لحقوه سلم بهم.
إلا أن مالكا قال: يسلم الإمام ولا ينتظرهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم من الصلاة من ركعة، أو ركعتين بفاتحة وسورة جهرا في الجهرية.
وقد اختار الشافعي وأصحابه هذه الصفة لسلامتها من كثرة المخالفة ولأنها أحوط لأمر الحرب، وأقل مخالفة لقاعدة الصلاة وقال أبو حنيفة: إذا قام إلى الثانية لم يتم المقتدون به الصلاة بل يذهبون إلى مكان الفرقة الحارسة وهم في الصلاة فيقفون سكوتا، وتأتي تلك الطائفة وتصلي مع الإمام ركعته الثانية فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو، وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا أفذاذا، وجاءت الطائفة الأخرى، وصلوا ما بقي لهم من الصلاة وتشهدوا وسلموا وهو قول عند الشافعية.
٧ - الثاني: أن يجعل الإمام الجيش فرقتين: فرقة في وجه العدو، وفرقة يحرم بها، ويصلي بهم جميع الصلاة، ركعتين كانت، أم ثلاثا، أم أربعا، فإذا سلم بهم ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الفرقة الأخرى فيصلي بهم تلك الصلاة مرة ثانية، وتكون له نافلة، ولهم فريضة، وهذه صلاته صلى الله عليه وسلم ببطن نخل، وتندب هذه الكيفية إذا كان العدو في غير جهة القبلة، وكان في المسلمين كثرة والعدو قليل وخيف هجومهم على المسلمين ولا يقول بهذه الكيفية من الأئمة من لا يجيز اقتداء المفترض بالمنتفل
٨ - الثالث: أن يرتبهم الإمام صفين، ويحرم بالجميع فيصلون معا، يقرأ ويركع، ويعتدل بهم جميعا، ثم يسجد بأحدهما، وتحرس الأخرى حتى يقوم الإمام من سجوده، ثم يسجد الآخرون، ويلحقونه في قيامه، ويفعل في الركعة الثانية كذلك، ولكن يحرس فيها من سجد معه أولا، ويتشهد، ويسلم بهم جميعا، وهذه صلاته بعسفان.
ويشترط في استحباب هذه الكيفية: كثرة المسلمين، وكون العدو في جهة القبلة غير مستتر بشيء يمنع رؤيته.
وله أن يرتبهم صفوفا، ثم يحرس صفان، فإن حرس بعض كل صف بالمناوبة جاز، وكذا لو حرست طائفة في الركعتين؛ لحصول الغرض بكل ذلك، والمناوبة أفضل؛ لأنها الثابتة في الخبر، ولو تأخر الصف الثاني الذي حرس في الركعة الثانية ليسجدوا، وتأخر الصف الأول الذي سجد أولا ليحرس ولم يمشوا أكثر من خطوتين كان أفضل؛ لأنه الثابت في خبر مسلم
هذه الصفة رواها جابر، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصفنا صفين: صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعا. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا
وهذه الأنواع الثلاثة مستحبة لا واجبة، فلو صلوا فرادى أو انفردت طائفة من الإمام، أو صلى الإمام ببعضهم كل الصلاة، وبالباقين غيره جاز، ولكن تفوت فضيلة الجماعة على المنفرد
٩ - الرابع: صلاة شدة الخوف: إذا اشتد الخوف فمنعهم من صلاة الجماعة على الصفة المتقدمة ولم يمكن قسم الجماعة؛ لكثرة العدو، ورجوا انكشافه قبل خروج الوقت المختار، بحيث يدركون الصلاة فيه، أخروا استحبابا.
فإذا بقي من الوقت ما يسع الصلاة صلوا إيماء، وإلا صلوا فرادى بقدر طاقتهم، فإن قدروا على الركوع والسجود فعلوا ذلك، أو صلوا مشاة أو ركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم لا إعادة عليهم إذا أمنوا، لا في الوقت ولا بعده.
والأصل فيما ذكر قوله تعالى: وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها متفق عليه.
وزاد البخاري قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر قال ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن عجزوا عن الركوع والسجود أومئوا بهما، وأتوا بالسجود أخفض من الركوع.
وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء
١٠ - واختلفوا في جواز القتال في الصلاة، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز القتال في هذه الحالة الشديدة في الصلاة، ويعفى عما فيه من الحركات، من الضربات والطعنات المتواليات، والإمساك بسلاح ملطخ بالدم؛ للحاجة؛ وقوله تعالى: وأخذ السلاح لا يكون إلا للقتال، وقياسا على المشي والركوب اللذين جاءا في الآية
وقال الحنفية: يشترط لجواز الصلاة بهذه الكيفية: ألا يقاتل، فإن قاتل فسدت صلاته، وقالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن في الليل وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس ملأ الله قبورهم نارا أو بيوتهم أو بطونهم فلو جاز القتال في الصلاة لما أخرها؛ ولأن إدخال عمل كثير - ليس من أعمال الصلاة - في الصلاة مفسد في الأصل، فلا يترك هذا الأصل إلا في مورد النص، وهو المشي لا القتال
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٤٠٧:٤٠٩)
قال العلماء جاءت صلاة الخوف عن النبي صلى الله عليه وسلم علي ستة عشر نوعا وهي مفصلة في صحيح مسلم بعضها ومعظمها في سنن أبي داود واختار الشافعي رحمه الله منها ثلاثة أنواع (أحدها) صلاته صلى الله عليه وسلم ببطن نخل (والثاني) صلاته صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع (والثالث) صلاته صلى الله عليه وسلم بعسفان وكلها صحيحة ثابتة في الصحيحين ولصلاة الخوف نوع رابع جاء به القرآن وذكره الشافعي وهو صلاة شدة الخوف قال الله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) وهذه الأنواع ذكرها المصنف في الكتاب على الترتيب الذي ذكرته قال أهل الحديث والسير أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم للخوف صلاة ذات الرقاع (واعلم) أن بطن نخل موضع من أرض نجد من أرض غطفان فهي وذات الرقاع من أرض غطفان لكنها صلاتان في وقتين مختلفين وفي كتاب المغازي من صحيح البخاري عن جابر قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذات الرقاع من نخل فلقي جمعا من غطفان " واعلم ان نخلا هذا غير نخلة الذي جاء إليها وفد الجن تلك عند مكة وبدأ المصنف بصلاة بطن نخل وهي أن يجعل الإمام الناس طائفتين (إحداهما) في وجه العدو (والأخرى) يصلي بها جميع الصلاة ويسلم سواء كانت ركعتين أو ثلاثا أو أربعا فإذا سلم ذهبوا إلى وجه العدو وجاء الآخرون فصلى بهم تلك الصلاة مرة ثانية تكون له نافلة ولهم فريضة قال أصحابنا وإنما تستحب هذه الصلاة بثلاثة شروط أن يكون العدو في غير القبلة وأن يكون في المسلمين كثرة والعدو قليل وأن يخاف هجومهم على المسلمين في الصلاة قال أصحابنا فهذه الأمور ليست شرطا لصحتها فإن الصلاة على هذا الوجه صحيحة عندنا من غير خوف ففي الخوف أولى وإنما المراد أنها لا تندب على هذه الهيأة إلا بهذه الشروط الثلاثة والله أعلم (وأما النوع الثاني) فهو صلاة ذات الرقاع فمعظم مسائل الباب فيها فتكون ثلاثة تارة ركعتين صبحا أو مقصورة وتارة ثلاثا وهي المغرب وتارة أربعا إذا لم تقصر فإن كانت ركعتين فرق الإمام الناس فرقتين فرقة تقف في مقابلة العدو وفرقة ينحدر بها الإمام إلى حيث لا يلحقهم سهام العدو فيحرم بهم ويصلي ركعة وهذا القدر اتفقت عليه روايات الحديث ونصوص الشافعي والأصحاب وفيما يفعل بعد ذلك روايتان في الاحاديث الصحيحة (إحداها) أنه إذا قام الإمام إلى الركعة الثانية نوى المقتدي الخروج من متابعته وصلوا لأنفسهم الركعة الثانية وتشهدوا وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو وجاء الآخرون فأحرموا خلفه في الركعة الثانية وأطالها حتى يلحقوه ويقرأوا الفاتحة ثم يركع بهم ويسجد فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ثانيتهم وانتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم هذه رواية سهل بن أبي خيثمة المذكور في الكتاب عن صالح بن خوات وهي في صحيحي البخاري ومسلم (والثانية) أن الإمام إذا قام إلى الثانية لا يتم المقتدون به الصلاة بل يذهبون إلى مكان إخوانهم فيقفون قبالة العدو وهم في الصلاة ويقفون سكوتا وتجئ الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام ركعته الثانية فإذا سلم ذهبوا إلى وجه العدو وجاء الأولون إلى مكان صلاة الإمام فصلوا الركعة الباقية عليهم ثم ذهبوا إلى وجه العدو وجاء الآخرون إلى مكان الصلاة فصلوا ركعتهم الباقية وسلموا وهذه رواية ابن عمر عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا حكاه أصحابنا عن رواية ابن عمر وهي في الصحيحين عن ابن عمر لكن لفظ رواية البخاري " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركع بمن معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاؤا فركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين " ولفظ رواية مسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك ثم صلي بهم النبي صلي الله عليه وسلم ركعة ثم سلم ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة " واختار الشافعي والأصحاب الرواية الأولى رواية سهل لأنها أحوط لأمر الحرب ولأنها أقل مخالفة لقاعدة الصلاة وهل تصح الصلاة على وفق رواية ابن عمر فيه قولان حكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجي وجماعات من الخراسانيين (أحدهما)
لا تصح لكثرة الأفعال فيها بلا ضرورة احترازا من صلاة شدة الخوف وزعم المحتج بهذا القول أن رواية ابن عمر منسوخة (والقول الثاني) وهو الصحيح المشهور صحة الصلاة لصحة الحديث وعدم معارضه فإن رواية سهل لا تعارضه فكانت هذه في يوم وتلك في يوم آخر ودعوى الأول النسخ باطلة لأنه محتاج إلى معرفة التاريخ وتعذر الجمع بين الروايتين وليس هنا واحد منهما وهذا القول نص عليه الشافعي في الجديد في كتاب الرسالة وأما قول الغزالي قاله بعض أصحابنا وهو بعيد فغلط في شيئين
(أحدهما)
نسبته إلى بعض الأصحاب والثاني تضعيفه والصواب أنه قول الشافعي الجديد الصحيح واختار أبو حنيفة رواية ابن عمر قال أصحابنا وفعل الصلاة على هذا الوجه على اختلاف الروايتين ليس واجبا بل مندوب فلو صلى الإمام ببعضهم كل الصلاة وبالباقين غيره أو صلى بعضهم أو كلهم منفردين جاز بلا خلاف لكن كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يسمحون بترك الجماعة لعظم فضلها فسنت لهم هذه الصفة ليحصل لكل طائفة حظ من الجماعة والوقوف قبالة العدو وتختص الاولى بفضيلاه إدراك تكبيرة الإحرام والثانية بفضيلة السلام معه قال أصحابنا وإنما تستحب هذه الصلاة إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها وبين المسلمين حائل يمنعهم لو هجموا
المغني -ابن قدامة- (٣/٢٩٨:٣٠٣)
مسألة؛ قال: (وصلاة الخوف إذا كان بإزاء العدو وهو في سفر، صلى بطائفة ركعة، وأتمت لأنفسها أخرى بالحمد لله وسورة، ثم ذهبت تحرس، وجاءت الطائفة الأخرى التى بإزاء العدو، فصلت معه ركعة وأتمت لأنفسها أخرى بالحمد لله وسورة، ويطيل التشهد حتى يتموا التشهد، ويسلم بهم)
وجملة ذلك أن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات في حق الإمام والمأموم جميعا، فإذا كان في سفر يبيح القصر، صلى بهما ركعتين، بكل طائفة ركعة، وتتم لأنفسها أخرى على الصفة المذكورة، وإنما يجوز ذلك بشرائط: منها، أن يكون العدو مباح القتال، وأن لا يؤمن هجومه. قال القاضي: ومن شرطها كون العدو في غير جهة القبلة. ونص أحمد على خلاف ذلك، في رواية الأثرم، فإنه قال: قلت له، حديث سهل نستعمله مستقبلين القبلة كانوا أو مستدبرين؟ قال: نعم، هو أنكى. ولأن العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلى بهم صلاة عسفان لانتشارهم، أو استتارهم، أو الخوف من كمين، فالمنع من هذه الصلاة يفضى إلى تفويتها. قال أبو الخطاب: ومن شرطها أن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر. وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه؛ لأن أحمد ذهب إلى ظاهر فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-. ووجه قولهما أن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع، لقوله تعالى: وأقل لفظ الجمع ثلاثة، والأولى أن لا يشترط هذا؛ لأن ما دون الثلاثة عدد تصح به الجماعة، فجاز أن يكون طائفة كالثلاثة، وأما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لا يشترط في صلاة الخوف أن يكون المصلون مثل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في العدد وجها واحدا، ولذلك اكتفينا بثلاثة، ولم يكن كذلك أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-. ويستحب أن يخفف بهم الصلاة؛ لأن موضوع صلاة الخوف على التخفيف، وكذلك الطائفة التي تفارقه تصلى لنفسها، تقرأ بسورة خفيفة، ولا تفارقه حتى يستقل قائما؛ لأن النهوض يشتركون فيه جميعا، فلا حاجة إلى مفارقتهم إياه قبله، والمفارقة إنما جازت للعذر. ويقرأ، ويتشهد، ويطيل في حال الانتظار حتى يدركوه. وقال الشافعي، في أحد قوليه: لا يقرأ حال الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية، ليكون قد سوى بين الطائفتين. ولنا، أن الصلاة ليس فيها حال سكوت، والقيام محل للقراءة، فينبغى أن يأتى بها فيه، كما في التشهد إذا انتظرهم فإنه يتشهد ولا يسكت، كذلك ها هنا، والتسوية بينهم تحصل بانتظاره إياهم في موضعين، والأولى في موضع واحد. إذا ثبت هذا فقال القاضي: إن قرأ في انتظارهم قرأ بعد ما جاءوا بقدر فاتحة الكتاب وسورة خفيفة، وإن لم يقرأ في انتظارهم قرأ إذا جاءوا بالفاتحة وسورة خفيفة، وهذا على سبيل الاستحباب، ولو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعا ركعوا معه، وصحت لهم الركعة مع تركه السنة، وإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى، وأطال التشهد بالدعاء والتوسل حتى يدركوه ويتشهدوا، ثم يسلم بهم. وقال مالك: يتشهدون معه، فإذا سلم الإمام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق. وما ذكرناه أولى. لقول الله تعالى: وهذا يدل على أن صلاتهم كلها معه. وفي حديث سهل، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم سلم. رواه أبو داود وروى أنه سلم بالطائفة الثانية. ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، فينبغى أن يسلم بالثانية، ليسوى بينهم. وبهذا قال مالك، والشافعي، إلا فيما ذكرنا من الاختلاف. وقال أبو حنيفة: يصلى كما روى ابن عمر، قال: صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ركعة، ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. متفق عليه وقال أبو حنيفة: يصلى بإحدى الطائفتين ركعة، والأخرى مواجهة للعدو، ثم تنصرف التي صلت معه إلى وجه العدو، وهى في صلاتها، ثم تجىء الطائفة الأخرى، فتصلى مع الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم الإمام، وترجع الطائفة إلى وجه العدو، وهى في الصلاة، ثم تأتى الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها، فتصلى ركعة منفردة ولا تقرأ فيها؛ لأنها في حكم الائتمام، ثم تنصرف إلى وجه العدو، ثم تأتى الطائفة الأخرى إلى موضع الصلاة، فتصلى [الركعة الثانية] منفردة، وتقرأ فيها؛ لأنها قد فارقت الإمام بعد فراغه من الصلاة، فحكمها حكم المسبوق إذا فارق إمامه. قال: وهذا أولى؛ لأنكم جوزتم للمأموم فراق إمامه قبل فراغه من الصلاة، وهى الطائفة الأولى، وللثانية فراقه في الأفعال، فيكون جالسا وهم قيام يأتون بركعة وهم في إمامته. ولنا، ما روى صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتى معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم. رواه مسلم وروى سهل بن أبي حثمة مثل ذلك والعمل بهذا أولى؛ لأنه أشبه بكتاب الله تعالى، وأحوط للصلاة والحرب. أما موافقة الكتاب، فإن قول الله تعالى: . يقتضى أن جميع صلاتها معه، وعنده تصلى معه ركعة فقط، وعندنا جميع صلاتها معه، إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه، والثانية تأتى بها قبل سلامه، ثم تسلم معه، ومن مفهوم قوله: أن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، وعلى قولهم: لم تصل إلا بعضها. وأما الاحتياط للصلاة، فإن كل طائفة تأتى بصلاتها متوالية، بعضها توافق الإمام فيها فعلا، وبعضها تفارقه، وتأتى به وحدها كالمسبوق. وعنده تنصرف في الصلاة، فإما أن تمشى، وإما أن تركب، وهذا عمل كثير، وتستدبر القبلة، وهذا ينافى الصلاة، وتفرق بين الركعتين تفريقا كثيرا بما ينافيها. ثم جعلوا الطائفة الأولى مؤتمة بالإمام بعد سلامه، ولا يجوز أن يكون المأموم مأموما في ركعة يأتى بها بعد سلام إمامه. وأما الاحتياط للحرب، فإنه يتمكن من الضرب والطعن والتحريض، وإعلام غيره بما يراه مما خفى عليه من أمر العدو وتحذيره، وإعلام الذين مع الإمام بما يحدث، ولا يمكن هذا على قولهم، ولأن مبنى صلاة الخوف على التخفيف؛ لأنهم في موضع الحاجة إليه، وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف ما كانت حال الأمن؛ لأن كل طائفة تحتاج إلى مضي إلى مكان الصلاة، ورجوع إلى وجاه العدو، وانتظار لمضي الطائفة الأخرى ورجوعها، فعلى تقدير أن يكون بين المكانين نصف ميل، تحتاج كل طائفة إلى مشى ميل، وانتظار للأخرى قدر مشى ميل وهى في الصلاة، ثم تحتاج إلى تكليف الرجوع إلى موضع الصلاة لإتمام الصلاة من غير حاجة إليه، ولا مصلحة تتعلق به، فلو احتاج الآمن إلى مثل هذه الكلفة في الجماعة لسقطت عنه، فكيف يكلف الخائف هذا وهو في مظنة التخفيف، والحاجة إلى الرفق به. وأما مفارقة الإمام فجائزة للعذر، ولا بد منها على القولين، فإنهم جوزوا للطائفة الأولى مفارقة الإمام والذهاب إلى وجه العدو، وهذا أعظم مما ذكرناه، فإنه لا نظير له في الشرع، ولا يوجد مثله في موضع آخر.
المغني -ابن قدامة- (٣/٣١١:٣١٦)
فصل: ويجوز أن يصلى صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. وقال: ستة أوجه أو سبعة يروى فيها، كلها جائز. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه، أو تختار واحدا منها. قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره. إذا تقرر هذا فنذكر الوجوه التي بلغنا أن النبى -صلى الله عليه وسلم- صلى عليها، وقد ذكرنا منها وجهين أحدهما، ما ذكره الخرقى، وهو حديث سهل. والثانى حديث ابن عمر وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة. والثالث، صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. فصلينا الظهر. فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم في الصلاة. فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستقبل القبلة، والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صف، وصف خلف ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى بهؤلاء السجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعا، فسلم عليهم، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بنى سليم. رواه أبو داود وروى جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو هذا المعنى. أخرجه مسلم وروى عن حذيفة، أنه أمر سعيد بن العاص بطبرستان حين سألهم: أيكم شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. وأمره بنحو هذه الصلاة، وقال: وتأمر أصحابك إن هاجهم هيج فقد حل لهم القتال والكلام. رواه الأثرم بإسناده. وإن حرس الصف الأول في الأولى، والثانى في الثانية، أو لم يتقدم الثانى إلى مقام الأول، أو حرس بعض الصف وسجد الباقون، جاز ذلك كله؛ لأن المقصود يحصل، لكن الأولى فعل مثل ما فعل النبى -صلى الله عليه وسلم-. ومن شرط هذه الصلاة أن يكون العدو في جهة القبلة؛ لأنه لا يمكن حراستهم في الصلاة إلا كذلك، وأن يكونوا بحيث لا يخفى بعضهم على بعض، ولا يخاف كمين لهم.
فصل: الوجه الرابع، أن يصلى بكل طائفة صلاة منفردة، ويسلم بها، كما روى أبو بكرة: قال صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خوف الظهر، فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين، ثم سلم، فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربع، ولأصحابه ركعتان. أخرجه أبو داود والأثرم. وهذه صفة حسنة، قليلة الكلفة، لا يحتاج فيها إلى مفارقة إمامه ولا إلى تعريف كيفية الصلاة. وهذا مذهب الحسن، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين.
فصل: الوجه الخامس، أن يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، ولا يسلم، ثم تسلم الطائفة، وتنصرف ولا تقضى شيئا. وتأتى الطائفة الأخرى، فيصلى بها ركعتين، ويسلم بها، ولا تقضى شيئا. وهذا مثل الوجه الذي قبله، إلا أنه لا يسلم في الركعتين الأوليين؛ لما روى جابر، قال: أقبلنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى إذا كنا بذات الرقاع. فذكر الحديث، قال: فنودى بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: وكانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين متفق عليه وتأول القاضي هذا على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين. وهذا ظاهر الفساد جدا؛ لأنه يخالف صفة الرواية، وقول أحمد، ويحمله على محمل فاسد. أما الرواية فإنه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين، ولم يذكر قضاء، ثم قال في آخرها وللقوم ركعتين ركعتين. وأما قول أحمد، فإنه قال: ستة أوجه أو سبعة، يروى فيها، كلها جائز. وعلى هذا التأويل لا تكون ستة ولا خمسة. ولأنه قال: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فهو جائز. وهذا مخالف لهذا التأويل. وأما فساد المحمل، فإن الخوف يقتضى تخفيف الصلاة وقصرها، كما قال الله تعالى: وعلى هذا التأويل يجعل مكان الركعتين أربعا. ويتم الصلاة المقصورة، ولم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أتم صلاة السفر، فكيف يحمل ها هنا على أنه أتمها، في موضع وجد فيه ما يقتضى التخفيف.
فصل: الوجه السادس، أن يصلى بكل طائفة ركعة، ولا تقضى شيئا؛ لما روى ابن عباس، قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذى قرد صلاة الخوف، والمشركون بينه وبين القبلة، فصف صفا خلفه، وصفا موازى العدو، فصلى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة، ثم سلم عليهم، فكانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركعتان، وكانت لهم ركعة ركعة. رواه الأثرم وعن حذيفة، أن النبى -صلى الله عليه وسلم- صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا شيئا. رواه أبو داود وروى مثله عن زيد بن ثابت وأبي هريرة رواهن الأثرم. وكذلك قال أبو داود، في "السنن"، وهو مذهب ابن عباس، وجابر. قال: إنما القصر ركعة عند القتال. وكان طاوس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والحكم يقولون: ركعة في شدة الخوف، يومئ إيماء. وقال إسحاق: يجزئك عند الشدة ركعة، تومئ إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة، لأنها ذكر لله تعالى. وعن الضحاك، أنه قال: ركعة، فإن لم يقدر كبر تكبيرة حيث كان وجهه. فهذه الصلاة يقتضى عموم كلام أحمد جوازها؛ لأنه ذكر ستة أوجه، ولا أعلم وجها سادسا سواها، وأصحابنا ينكرون ذلك. قال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد الركعات. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم ابن عمر، والنخعي، والثورى، ومالك، والشافعى، وأبو حنيفة، وأصحابه، وسائر أهل العلم من علماء الأمصار، لا يجيزون ركعة، والذي قال منهم ركعة، إنما جعلها عند شدة القتال، والذين روينا عنهم صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثرهم لم ينقصوا عن ركعتين، وابن عباس لم يكن ممن يحضر النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزواته، ولا يعلم ذلك إلا بالرواية عن غيره، فالأخذ برواية من حضر الصلاة وصلاها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (٦/١٣٩:١٤٠)
[٥٦/ ٣٥] قصر ركعات صلاة الخوف :
• المراد بالمسألة: بيان أن عدد ركعات صلاة الخوف لا ينتقص بسبب الخوف ،فيصلي الإمام بهم ركعتين، إن كانوا مسافرين وأرادوا قصر الصلاة، أو كانت الصلاة من ذوات ركعتين، كصلاة الفجر، أو الجمعة، ويصلي بهم ثلاثا أو أربعا إن كانت الصلاة من ذوات الثلاث أو الأربع وكانوا مقيمين، أو مسافرين أرادوا الإتمام، وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: أبو الحكم البلوطي (٣٥٥ هـ) حيث يقول: (والعلماء مجتمعون أن من صلى صلاة الخوف ركعتين أنه قد أدى فرضه)، نقله عنه ابن القطان الفاسي
وابن القصار (٣٩٨ هـ) حيث يقول: (وأعداد الركعات: أربع في الحضر، وركعتان في السفر للإمام والمأمومين، وهو مذهب جميع الفقهاء والصحابة -رضي الله عنهم-)، نقله عنه ابن القطان الفاسي
والوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن صلاة الخوف في الحضر أربع ركعات غير مقصورة، وفي السفر ركعتان إذا كانت رباعية، وغير الرباعية على عددها لا يختلف حكمها حضرا ولا سفرا ولا خوفا)
والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أنها في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتان)
• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك جمهور الفقهاء من: الحنفية، والمالكية والشافعية، والحنابلة.
قال البغوي: (وذهب أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم إلى أن الخوف لا ينقص من العدد شيئا).
• مستند الإجماع: أن العبادة مبناها التوقف على الدليل، ولم يرد في الشرع ما يدل على قصر الصلاة في الخوف ؛ فلذا لا يجوز قصر الصلاة إلا فيما ورد وهو السفر.
• الخلاف في المسألة: ذهب ابن عباس -رضي الله عنهما- إلى أن صلاة الخوف ركعة لكل طائفة، وركعتان للإمام.
وبه قال: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري -رضي الله عنهم-، والحسن البصري، وطاوس ومجاهد والضحاك وقتادة وإسحاق بن راهويه، وقيده بعضهم بكثرة الخوف، وهو مذهب الظاهرية
واستدلوا بما ورد عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الحضر أربعا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة"
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على عدم القصر لمجرد الخوف ؛ لوجود الخلاف المعتبر، والله تعالى أعلم.