موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي -مجموعة من المؤلفين- (٦/١٣٤:١٣٦)
عدم جواز تأخير الصلاة لأجل القتال:
• المراد بالمسألة: بيان أنه إذا دارت رحى المعركة، واستمر القتال، ثم حضر وقت الصلاة، فإن للمقاتلين أن يستمروا في القتال، ولا يلزمهم ترك القتال لأجل الصلاة، بل يجب أن يصلوا حسب حالهم، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها. وقد نقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول -في معرض إيضاحه أن الحركة الكثيرة في صلاة الخوف معفو عنها: (ولأنه لا يخلو عند الحاجة إلى العمل الكثير من أجل ثلاثة أمور: إما تأخير الصلاة عن وقتها ولا خلاف بيننا في تحريمه، أو ترك القتال وفيه هلاكه، وقد قال الله تعالى: [البقرة: ١٩٥]. وأجمع المسلمون على أنه لا يلزمه هذا، أو متابعة العمل للمتنازع فيه وهو جائز بالإجماع، فتعين فعله وصحة الصلاة معه)• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية.
• مستند الإجماع:
١ - قوله تعالى: [البقرة: ١٩٥].
• وجه الدلالة: أن في ترك القتال -والقتال قائم مع الأعداء تعريض- للنفس للهلاك، وعليه فإن المسلم يصلي حسب حاله ولو إيماء، ولا يخرج الصلاة عن وقتها، وهو مع ذلك متحفز للقتال.
٢ - ما رواه عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه- قال: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: "اذهب فاقتله"، قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد".
• وجه الدلالة: حيث أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أنيس حين صلى صلاة الخوف وهو طالب للعدو، ولم يؤخر الصلاة، ولم يأمره بترك الطلب والتشاغل بالصلاة.
٣ - ولأنه مكلف تصح طهارته فلم يجز له إخلاء وقت الصلاة عن فعلها، كالمريض.
• الخلاف في المسألة: خالف بعض الفقهاء فقالوا: يجوز تأخير الصلاة عن وقتها في حالة التحام القتال، والاشتغال بالضرب والطعن والكر والفر، حتى ينكشف القتال.
قال بهذا الحنفية وبعض المالكية وهو قول عند الشافعية رواية عند الحنابلة
واستدلوا بما رواه جابر -رضي الله عنه-: "أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب، قال -صلى الله عليه وسلم- "وأنا والله ما صليتها بعد" قال: فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب"
• وجه الدلالة من الحديث: أنها لو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على عدم جواز تأخير الصلاة لأجل القتال، لوجود الخلاف المعتبر، والله تعالى أعلم.
المغني -ابن قدامة- (٣/٣١٦:٣١٨)
إما إذا اشتد الخوف، والتحم القتال، فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم؛ رجالا وركبانا، إلى القبلة إن أمكنهم، وإلى غيرها إن لم يمكنهم، يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويجعلون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: لا يصلى مع المسايفة، ولا مع المشى؛ لأن النبى -صلى الله عليه وسلم- لم يصل يوم الخندق، وأخر الصلاة، إما إذا اشتد الخوف، والتحم القتال، فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم؛ رجالا وركبانا، إلى القبلة إن أمكنهم، وإلى غيرها إن لم يمكنهم، يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويجعلون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: لا يصلى مع المسايفة، ولا مع المشى؛ لأن النبى -صلى الله عليه وسلم- لم يصل يوم الخندق، وأخر الصلاة، ......... وأما تأخير الصلاة يوم الخندق، فروى أبو سعيد، أنه كان قبل نزول صلاة الخوف. ويحتمل أنه شغله المشركون فنسى الصلاة، فقد نقل ما يدل على ذلك، وقد ذكرناه فيما مضى وأكده أن النبى -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لم يكونوا في مسايفة توجب قطع الصلاة (بتصرف)
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٤٣٣)
في مذاهب العلماء في صلاة شدة الخوف : هي جائزة بالإجماع إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد عن بعض الناس أنها لا تجوز بل يجب تأخير الصلاة حتى يزول الخوف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهذا غلط فإنه قد يموت وتبقى في ذمته مع أن هذا القول مخالف للقرآن والأحاديث للقياس على إيماء المريض ونحوه وأما قصة الخندق فمنسوخة فإنها كانت قبل نزول آية صلاة الخوف كما سبق ويجب أن يصلي صلاة شدة الخوف سواء التحم القتال أم لا ولا يجوز تأخير ها عن الوقت هذا مذهبنا ومذهب الجمهور
* وقال أبو حنيفة إن اشتد ولم يلتحم القتال فإن التحم قال يجوز ال تأخير : دليلنا عموم قوله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) ويجوز عندنا صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا جماعة كما يجوز فرادى وبه قال أحمد وداود وقال مالك وأبو حنيفة لا تجوز
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٥/١٤٩:١٥٠)
حمل السلاح في صلاة الخوف:
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب حمل السلاح للخائف في الصلاة يدفع به العدو عن نفسه، لقول الله تعالى: ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم عدوهم، فيميلوا عليهم. كما قال الله تعالى: . والمستحب من ذلك ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين، ولا يثقله كالجوشن (الدرع) ، ولا يمنع من كمال السجود كالمغفر . ولا يؤذي غيره كالرمح المتوسط والكبير، ولا يجوز حمل نجس، ولا ما يخل بركن من أركان الصلاة إلا عند الضرورة
وليس النص للإيجاب عند الجمهور؛ لأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للإيجاب
وقال بعض الشافعية: إن حمل السلاح في صلاة الخوف واجب؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، وقد اقترن بالنص ما يدل على إرادة الإيجاب به وهو قوله تعالى: ونفي الحرج مشروطا بالأذى دليل على لزومه عند عدمه. فأما إن كان بهم أذى من مطر أو مرض فلا يجب بغير خلاف، بتصريح النص بنفي الحرج فيه
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٤٢٣:٤٢٤)
قال أصحابنا حمل السلاح في صلاة بطن نخل وصلاة ذات الرقاع وصلاة عسفان مأمور به وهل هو مستحب أم واجب فيه أربعة طرق (أصحها) باتفاق الأصحاب فيه قولان (أصحهما) عند الأصحاب مستحب وهو نصه في المختصر وأحد الموضعين في الأم
(والثاني)
واجب (والطريق الثاني) إن كان يدفع عن نفسه فقط كالسيف والسكين وجب وإن كان يدفع عن نفسه وغيره كالنشاب والرمح استحب وهذان الطريقان في الكتاب (والثالث) حكاه الخراسانيون منهم القاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والبغوي وغيرهم تجب قولا واحدا (والرابع) لا يجب قولا واحدا
حكاه هؤلاء فمن قال بالوجوب احتج بقوله تعالى (وليأخذوا اسلحتهم) والأمر للوجوب ومن قال بالندب حمل الأمر عليه ولان المغالب السلامة ومن قال بالفرق قال لأنه متحقق الحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه بخلاف غيره وعلله صاحب الشامل وغيره بأنه يلزمه الدفع عن نفسه دون غيره وفيه نظر قال أصحابنا وللخلاف شروط (أحدها) طهارة السلاح فان كان نجسا كالسيف المطلخ بدم والذي سقي سما نجس والنبل المريش بريش ما لا يؤكل لحمه أو بريش ميتة لم يجز حمله بلا خلاف (الثاني) ألا يكون مانعا من بعض أركان الصلاة فإن كان كبيضة تمنع مباشرة الجبهة لم يجز بلا خلاف إلا أن يمكن رفعها حال السجود فيجوز حملها ولا يجب (الثالث) أن لا يتأذى به أحد كرمح في وسط الناس فإن خيف الأذى كره حمله (الرابع) أن يكون في ترك السلاح خطر محتمل لا مقطوع به ولا مظنون فأما إذا تعرض للهلاك غالبا لو تركه فيجب حمله قطعا صرح به امام الحرمين وغيره قال الإمام ويحرم ترك السلاح والحالة هذه في الصلاة وغيرها (واعلم) أن الأصحاب ترجموا المسألة بحمل السلاح قال امام الحرمين وليس الحمل متعينا بل لو وضع السيف بين يديه وكان مد اليد إليه في السهولة كمدها إليه وهو محمول كان ذلك في معنى الحمل وله حكمه قطعا وإن كان لا يظهر في تركه خلل ولكن لا يؤمن إفضاؤه إلى خلل فهو محل الخلاف في الصلاة وغيرها قال أصحابنا وإذا أوجبنا حمله فتركوه صحت صلاتهم بلا خلاف ك الصلاة في ارض مغصوبة واولى بالصحة قام إمام الحرمين والغزالي في البسيط ويحتمل أن يقال المرخص في تغيير هيئة الصلاة هو الأخذ بالجزم فتاركه كمن صلى هذه الصلاة بلا خوف وهذا الذى قالاه احتمالا لهما وإلا فلا خلاف في صحة الصحة قال أصحابنا ويجوز ترك السلاح للعذر بمرض أو أذى من مطر أو غيره لقوله تعالى (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أن تضعوا أسلحتكم) قال القاضي ابن كج و السلاح يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها فأما الترس والدرع فليس بسلاح والله أعلم: قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي السلاح أربعة أقسام حرام ومكروه ومختلف في وجوبه ومختلف الحال فالحرام النجس كالنشاب المريش بريش نجس و السلاح الملطخ بدم وغيره والمكروه ما كان ثقيلا يشغله عن الصلاة كالجوشن والترس والجعبة ونحوها والمختلف في وجوبه
ما سوى ذلك ومختلف الحال كالرمح وغيره مما يتأذى به جاره فإن كان في أثناء الناس كره وان كان في طرفهم فلا إذا قلنا المسألة على قولين وإن قلنا بالطريق الثاني إنها على حالين كان السلاح على خمسة أقسام محرم ومكروه كما ذكرنا وواجب وهو ما يدفع به عن نفسه ومستحب وهو ما يدفع به عن غيره ومتخلف الحال
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٤٢٤)
في مذاهب العلماء في حمل السلاح : الاصح عندنا أنه لا يجب لكن يستحب وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود
* واحتج من أوجبه بقوله تعالى (وليأخذوا اسلحتهم) وبقوله تعالى (ولا جناح عليكم إن كان بكم اذى من مطر ان تضعوا اسلحتكم) قالوا ورفع الجناح عند العذر يدل على وجوبه إذا لم يكن عذر وأجاب الأصحاب بأن الأمر هنا محمول على الندب ورفع الجناح لا يلزمه منه الوجوب بل معناه رفع الكراهة فأما إذا قلنا لا يجب نقول يكره ترك السلاح إذا لم يكن عذر فإذا كان زالت الكراهة والجناح هكذا أجاب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والأصحاب
المغني -ابن قدامة- (٣/٣١٠:٣١١)
فصل: ويستحب أن يحمل السلاح في صلاة الخوف، لقول الله تعالى: ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم عدوهم، فيميلون عليهم، كما قال الله تعالى: والمستحب من ذلك ما يدفع به عن نفسه. كالسيف، والسكين، ولا يثقله، كالجوشن ولا يمنع من إكمال السجود، كالمغفر ولا ما يؤذى غيره، كالرمح إذا كان متوسطا، فإن كان في الحاشية لم يكره، ولا يجوز حمل نجس، ولا ما يخل بركن من أركان الصلاة إلا عند الضرورة، مثل أن يخاف وقوع الحجارة أو السهام به، فيجوز له حمله للضرورة. قال أصحابنا: ولا يجب حمل السلاح. وهذا قول أبي حنيفة وأكثر أهل العلم، وأحد قولى الشافعى؛ لأنه لو وجب لكان شرطا في الصلاة كالسترة، ولأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب، كما أن النبى -صلى الله عليه وسلم- لما نهى عن الوصال رفقا بهم لم يكن للتحريم. ويحتمل أن يكون واجبا، وبه قال داود، والشافعى في القول الآخر، والحجة معهم؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، وقد اقترن به ما يدل على إرادة الإيجاب به، وهو قوله تعالى: ونفى الحرج مشروطا بالأذى دليل على لزومه عند عدمه، فأما إن كان بهم أذى من مطر أو مرض، فلا يجب بغير خلاف، بتصريح النص بنفى الحرج فيه.