موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٩/183)
الطهارة من الحدث والخبث غير المعفو عنه في الثوب والبدن والمكان.
وهي ليست شرطا عند الجمهور بل هي سنة.
وهي شرط عند الشافعية وأبي يوسف قال الشافعية: فلو أحدث في أثناء الخطبة استأنفها، وإن سبقه الحدث وقصر الفصل؛ لأنها عبادة واحدة فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة، ومن ثم لو أحدث بين الخطبة والصلاة وتطهر عن قرب لم يضر. والمشهور من مذهب المالكية أن الطهارة ليست شرطا لصحة الخطبتين ولكن تركها مكروه.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٣/٥١٥:٥١٦)
قال أصحابنا هل يشترط لصحة الخطبة ستر العورة والطهارة عن الحدث والطهارة عن النجاسة في البدن والثوب والمكان فيه قولان (الصحيح) الجديد اشتراط ذلك كله (والقديم) لا يشترط شئ من ذلك بل يستحب ودليلهما في الكتاب ثم إن الجمهور أطلقوا القولين في اشتراط طهارة الحدث وقال البغوي القولان في الطهارة عن الحدث الأصغر فإن خطب جنبا لم تصح قولا
واحدا لأن القراءة في الخطبة واجبة ولا تحسب قراءة الجنب وصرح المتولي والرافعي في المحرر يجريان القولين في المحدث والجنب وهذا هو الصواب وقد قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه وصاحب الحاوي فيه وآخرون من الأصحاب بأنه لو كان إمام الجمعة جنبا ولم يعلم المأمومون ثم علموا بعد فراغها أجزأتهم ونقله الشيخ أبو حامد والأصحاب عن نص الشافعي في الأم وقد أهمل المصنف ذكر ستر العورة والقولان فيه مشهوران وقد ذكرهما هو في التنبيه وقال أبو يوسف باشتراط الطهارة
* وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود لا تشترط
* دليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يخطب متطهرا وقال صلى الله عليه وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي
المغني -ابن قدامة- (٣/١٧٧)
فصل: والسنة أن يخطب متطهرا. قال أبو الخطاب: وعنه أن ذلك من شرائطها، وللشافعي قولان، كالروايتين. وقد قال أحمد، في من خطب وهو جنب، ثم اغتسل وصلى بهم: يجزئه. وهذا إنما يكون إذا خطب في غير المسجد، أو خطب في المسجد غير عالم بحال نفسه، ثم علم بعد ذلك، والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة [من الجنابة] فإن أصحابنا قالوا: يشترط قراءة آية فصاعدا. وليس ذلك للجنب، ولأن الخرقي اشترط للأذان الطهارة من الجنابة، فالخطبة أولى. فأما الطهارة الصغرى فلا تشترط؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم تكن الطهارة فيه شرطا كالأذان، لكن يستحب أن يكون متطهرا من الحدث والنجس؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلى عقيب الخطبة، لا يفصل بينهما بطهارة، فدل على أنه كان متطهرا، والاقتداء به إن لم يكن واجبا فهو سنة. ولأننا استحببنا ذلك للأذان، فالخطبة أولى، ولأنه لو لم يكن متطهرا احتاج إلى الطهارة بين الصلاة والخطبة، فيفصل بينهما، وربما طول على الحاضرين.
المغني -ابن قدامة- (٣/١٧٧:١٧٨)
فصل: والسنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل، وصلى آخر لعذر، جاز. نص عليه أحمد. ولو خطب أمير، فعزل وولي غيره، فصلى بهم، فصلاتهم تامة. نص عليه؛ لأنه إذا جاز الاستخلاف في الصلاة الواحدة للعذر، ففى الخطبة مع الصلاة أولى. وإن لم يكن عذر، فقال أحمد، رحمه الله: لا يعجبني من غير عذر. فيحتمل المنع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما، وقد قال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" ولأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين. ويحتمل الجواز؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، فأشبهتا صلاتين. وهل يشترط أن يكون المصلى ممن حضر الخطبة؟ فيه روايتان: إحداهما، يشترط ذلك. وهو قول الثوري، وأصحاب الرأى، وأبي ثور؛ لأنه إمام في الجمعة، فاشترط حضوره الخطبة، كما لو لم يستخلف. والثانية، لا يشترط. وهو قول الأوزاعي، والشافعي؛ لأنه ممن تنعقد به الجمعة، فجاز أن يؤم فيها. كما لو حضر الخطبة. وقد روى عن أحمد، رحمه الله أنه لا يجوز الاستخلاف لعذر ولا غيره. قال، في رواية حنبل، في الإمام إذا أحدث بعد ما خطب، فقدم رجلا يصلى بهم: لم يصل بهم إلا أربعا، إلا أن يعيد الخطبة، ثم يصلى بهم ركعتين. وذلك لأن هذا لم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أحد من خلفائه. والأول المذهب.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/٢٠٦)
استحباب كون الخطيب والإمام واحدا:
٣٢ - يستحب أن لا يؤم القوم إلا من خطب فيهم؛ لأن الصلاة والخطبة كشيء واحد قال في تنوير الأبصار: فإن فعل بأن خطب صبي بإذن السلطان وصلى بالغ جاز غير أنه يشترط في الإمام حينئذ أن يكون ممن قد شهد الخطبة. قال في البدائع: ولو أحدث الإمام بعد الخطبة قبل الشروع في الصلاة فقدم رجلا يصلي بالناس: إن كان ممن شهد الخطبة أو شيئا منها جاز، وإن لم يشهد شيئا من الخطبة لم يجز، ويصلي بهم الظهر، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
وخالف في ذلك المالكية، فذهبوا إلى وجوب كون الخطيب والإمام واحدا إلا لعذر كمرض، وكأن لا يقدر الإمام على الخطبة، أو لا يحسنها
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٥٢١:٥٢٢)
هل يشترط كون الخطبة بالعربية فيه طريقان (أصحهما) وبه قطع الجمهور يشترط لأنه ذكر مفروض فشرط فيه العربية كالتشهد وتكبيرة الإحرام مع قوله صلى الله عليه وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي " وكان يخطب بالعربية (والثاني) فيه وجهان حكاهما جماعة منهم المتولي (أحدهما) هذا
(والثاني)
مستحب ولا يشترط لأن المقصود الوعظ وهو حاصل بكل اللغات قال أصحابنا فإذا قلنا بالاشتراط فلم يكن فيهم من يحسن العربية جاز أن يخطب بلسانه مدة التعلم وكذا إن تعلم واحد منهم التكبير بالعربية فإن مضى زمن التعلم ولم يتعلم أحد منهم عصوا بذلك ويصلون الظهر أربعا ولا تنعقد لهم جمعة
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٩/١٨٠:١٨١)
كونها بالعربية، تعبدا. للاتباع، والمراد أن تكون أركانها بالعربية؛ ولأنها ذكر مفروض فاشترط فيه ذلك كتكبيرة الإحرام، ولو كان الجماعة عجما لا يعرفون العربية. وهذا ما ذهب إليه الجمهور.
وقال أبو حنيفة وهو المعتمد عند الحنفية: تصح بغير العربية، ولو كان الخطيب عارفا بالعربية، ووافق الصاحبان الجمهور في اشتراط كونها بالعربية إلا للعاجز عنها.
وذهب المالكية إلى أنه عند العجز عن الإتيان بها بالعربية لا تلزمهم الجمعة. وذهب المالكية إلى أنه يشترط في الخطيب أن يكون عارفا معنى ما يقول، فلا يكفي أعجمي لقن من غير فهم - على الظاهر -
وقال الشافعية: عند عدم من يخطب بالعربية إن أمكن تعلم العربية خوطب به الجميع فرض كفاية وإن زادوا على الأربعين، فإن لم يفعلوا عصوا ولا جمعة لهم بل يصلون الظهر، وأجاب القاضي عن سؤال ما فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يعرفها القوم بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة. ويوافقه قول الشيخين فيما إذا سمعوا الخطبة ولم يعرفوا معناها أنها تصح. وإن لم يمكن تعلمها خطب واحد بلغته، وإن لم يعرفها القوم، فإن لم يحسن أحد منهم الترجمة فلا جمعة لهم لانتفاء شرطها
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٩/١٨٢)
أن يعتمد الخطيب على قوس أو سيف أو عصا، لما روى الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . فأقمنا أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات.
وللحنفية تفصيل في المسألة فقالوا: يتكئ على السيف في كل بلدة فتحت عنوة، ليريهم قوة الإسلام والحزم، ويخطب بدونه في كل بلدة فتحت صلحا.
المغني -ابن قدامة- (٣/١٧٩:١٨٠)
ويستحب أن يعتمد على قوس، أو سيف، أو عصا؛ لما روى الحكم بن حزن الكلفي قال: وفدت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقمنا أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله، وأثنى عليه كلمات طيبات خفيفات مباركات. رواه أبو داود ولأن ذلك أعون له؛ فإن لم يفعل، فيستحب أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله، أو يرسلهما ساكنتين إلى جنبيه. ويستحب أن يبدأ بالحمد قبل الموعظة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك، ولأن كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر، ثم يثنى بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يعظ. فإن عكس ذلك صح؛ لحصول المقصود منه. ويستحب أن يكون في خطبته مترسلا، مبينا، معربا، لا يعجل فيها، ولا يمططها، وأن يكون متخشعا، متعظا بما يعظ الناس به؛ لأنه قد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل لي: هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون"
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٥٢٨)
يسن أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا أو نحوها لما سبق قال القاضي حسين والبغوي يستحب أن يأخذه في يده اليسرى ولم يذكر الجمهور اليد التي يأخذه فيها وقال أصحابنا ويستحب أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر قالوا فإن لم يجد سيفا أو عصا ونحوه سكن يديه بأن يضع اليمنى على اليسرى أو يرسلهما ولا يحركهما ولا يعبث بواحدة منهما والمقصود الخشوع والمنع من العبث
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/٢٠٣:٢٠٤)
أن لا تتعدد الجمعة في المصر الواحد مطلقا.
ذهب الجمهور إلى منع التعدد في أعم الأحوال على اختلاف يسير بينهم في ضابط المكان الذي لا يجوز التعدد فيه.
فمذهب الشافعي وأحمد والمشهور من مذهب مالك هو منع التعدد في البلدة الواحدة كبيرة كانت أو صغيرة إلا لحاجة وهذا - أيضا - مذهب أبي حنيفة، وصححه ابن عابدين وذكر أنه اختيار الطحاوي والتمرتاشي، ونقل عن شرح المنية أنه أظهر الروايتين عن الإمام، ونقل عن النهر والتكملة: أن الفتوى عليه. قالوا: لأن الحكمة من مشروعيتها هي الاجتماع والتلاقي، وينافيه التفرق بدون حاجة في عدة مساجد، ولأنه لم يحفظ عن صحابي ولا تابعي تجويز تعددها.
ومقابله ما رواه في البدائع عن الكرخي: أنه لا بأس بأن يجمعوا في موضعين أو ثلاثة عند محمد، وعن أبي يوسف روايتان: إحداهما: لا يجوز إلا إذا كان بين موضعي الإقامة نهر عظيم كدجلة ونحوها فيصير بمنزلة مصرين. والثانية: يجوز في موضعين إذا كان المصر عظيما
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٥٨٥:٥٨٩)
قال الشافعي والأصحاب فشرط الجمعة أن لا يسبقها في ذلك البلد جمعة أخرى ولا يقارنها قال أصحابنا وقد دخل الشافعي بغداد وهم يقيمون الجمعة في موضعين وقيل في ثلاثة فلم ينكر ذلك واختلف أصحابنا في الجواب عن ذلك وفي حكم بغداد في الجمعة على أربعة أوجه ذكر المصنف الثلاثة الأولى منها هنا وكلامه في التنبيه يقتضي الجزم بالرابع (أحدها) أن الزيادة على جمعة في بغداد جائزة وإنما جازت لأنه بلد كبير يشق اجتماعهم في موضع منه قال أصحابنا فعلى هذا تجوز الزيادة على جمعة في جميع البلاد التي تكثر الناس فيها ويعسر اجتماعهم في موضع وهذا الوجه هو الصحيح وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو إسحق المروزي قال الرافعي واختاره أكثر أصحابنا تصريحا وتعريضا وممن رجحه ابن كج والحناطي بالحاء المهملة والقاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني والغزالي وآخرون قال الماوردي وهو اختيار المزني ودليله قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (والثاني) إيانما جازت الزيادة فيها لأن نهرها يحول بين جانبينها فيجعلها كبلدين قاله أبو الطيب بن سلمة فعلى هذا لا تقام في كل جانب من بغداد إلا جمعة وكل بلد حال بين جانبيها نهر يحوج إلى السباحة فهو كبغداد واعترض على ابن سلمة بأنه لو كان الجانبان كبلدين لقصر من عبر من أحدهما إلى الآخر مسافرا إلى مسافة القصر فالتزم ابن سلمة وجوز القصر (والثالث) تجوز الزيادة وإنما جازت لأنها كانت قرى متفرقة قديمة اتصلت
الأبنية فأجرى عليها حكمها القديم حكاه القاضي أبو الطيب في المجرد عن أبي عبد الله الزبير قال أصحابنا فعلى هذا يجوز تعدد الجمعة في كل بلد هذا شأنه واعترضوا عليه بما اعترض على ابن سلمة وأجيب بجوابه وأشار إلى هذا الجواب صاحب التقريب (والرابع) لا تجوز الزيادة على جمعة في بغداد ولا في غيرها وهذا ظاهر نص الشافعي المذكور ورجحه الشيخ أبو حامد والمحاملي والمتولي وصاحب العدة قالوا وإنما لم ينكره الشافعي على أهل بغداد لأن المسألة اجتهادية وليس لمجتهد أن ينكر على مجتهد وأجاب بعضهم فيما حكاه صاحب العدة وغيره بأن الشافعي لم يقدر على الإنكار باليد ولم يقدر على أكثر من أن ينكرها بقلبه وسطرها في كتبه والصحيح هو الوجه الأول وهو الجواز في موضعين وأكثر بحسب الحاجة وعسر الاجتماع قال إمام الحرمين طرق الأصحاب متفقة علي جواز الزدة على جمعة ببغداد واختلفوا في تعليله والله أعلم
* قال أصحابنا وحيث منعنا الزيادة على جمعة فعقدت جمعتان فله صور (إحداها) أن تسبق احداها ولايكون الإمام مع الثانية فالأولى هي الصحيحة والثانية باطلة بلا خلاف وفيما يعتبر به فيه وجهان مشهوران في طريقتين للعراقيين والخراسانيين (أصحهما) بالإحرام بالصلاة (والثاني) بالسلام منها هكذا حكاهما الأصحاب في الطريقتين وجهين وحكاهما المصنف قولين وأنكر صاحب البيان وغيره عليه ذلك وحكى الخراسانيون وجها ثالثا أن الاعتبار بالشروع في الخطبة فحصلت ثلاثة أوجه الصحيح باتفاق الأصحاب أن الاعتبار بالإحرام بالصلاة فأيتهما أحرم بها أولا فهي الصحيحة وإن تقدم سلام الثانية وخطبتها وممن صححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي وابن الصباغ وإمام الحرمين والبغوي والشاشي وصاحبا العدة والبيان وآخرون ونقله الماوردي عن الجامع الكبير للمزني فعلى هذا لو أحرم بهما معا وتقدم سلام إحداهما وخطبتها فهما باطلتان والاعتبار على هذا بالفراغ من تكبيرة الإحرام فلو سبقت إحداهما بهمزة التكبيرة والأخرى بالراء منها فالصحيحة هي السابقة بالراء هذا هو الصحيح وحكى الرافعي وجها أن السابقة بالهمزة هي الصحيحة لأنه لا يجوز بعد الشروع فيها افتتاح أخرى والمذهب الأول لأنه لا يصير داخلا في الجمعة حتى يفرغ من التكبيرة بكمالها ولو أحرم
إمام بها وفرغ من التكبيرة ثم أحرم آخر بالجمعة إماما ثم أحرم أربعون مقتدين بالثاني ثم أحرم أربعون وراء الإمام الأول فظاهر كلام الأصحاب أن الصحيحة هي جمعة الإمام الاول لان باحرامه به تعيينت جمعته للسبق وامتنع على غيره افتتاح جمعة أخرى وعلى جميع الأوجه لو سبقت إحداهما وكان السلطان مع الثانية فقولان مشهوران (أصحهما) باتفاق الأصحاب أن الجمعة هي السابقة ممن صححه ابن الصباغ والمتولي والغزالي في البسيط والرافعي لأنها جمعة وجدت شروطها فلا تنعقد بها أخرى والسلطان ليس بشرط عندنا في صحة الجمعة (والثاني) أن الجمعة الصحيحة هي التي فيها الإمام لأن في تصحيح الأولى افتئاتا عليه وتفويتا لها على غالب الناس لأن غالبهم يكون مع الإمام ولو دخلت طائفة في الجمعة فاخبروا في أثنائها بأن جمعة سبقتهم استحب لهم استئناف الظهر وهل لهم البناء على صلاتهم ظهرا فيه تفصيل وخلاف مبني على الإحرام بالظهر قبل فوات الجمعة وعلى ما إذا خرج الوقت وهم في صلاة الجمعة وقد سبق بيان المسألتين (الصورة الثانية) أن يقع الجمعتان معا فهما باطلتان ويجب استئناف جمعة ان اتسع الوقت لها (الثالث) أن يشكل الحالى فلا يدرى أوقعتا معا أو سبقت إحداهما فيجب إعادة الجمعة أيضا وتجزئهم لأن الأصل عدم جمعة مجزئة هكذا جزم به الأصحاب في الطريقتين وشذ البندنيجي فقال لا خلاف أنه لا يلزمهم الجمعة وفي جوازها قولان (أصحهما) الجواز وهو نصه في الأم والمذهب ما سبق عن الأصحاب قال إمام الحرمين قد حكم الأئمة في هذه الصورة بأنهم إذا عادوا جمعة برئت ذمتهم وفيه إشكال لاحتمال تقدم إحداهما وحينئذ لا تنعقد هذه ولا تبرأ ذمتهم بها فطريقهم في البراءة بيقين أن يصلوا جمعة ثم ظهرا وهذا الذي قاله إمام الحرمين مستحب وإلا فالجمعة كافية في البراء كما قاله الأصحاب لأن الأصل عدم جمعة مجزئة في حق كل واحد (الرابعة) أن يعلم سبق إحداهما بعينها ثم تلتبس قال الأصحاب لا تبرأ ذمة واحدة من الطائفتين خلافا للمزني لأن كل طائفة تشك في براءتها من الفرض والأصل عدم البراءة وفيما يلزمهم طريقان (أصحهما) يلزمهم الظهر قولا واحدا لأن الجمعة صحت فلا يجوز عقد جمعة أخرى بعدها وبهذا قطع البغوي
وصححه الخراسانيون
(والثاني)
فيه قولان كالصورة الخامسة أحدهما الظهر والثاني الجمعة لأن الأولى لم تحصل بها البراءة فهي كجمعة فاسدة لفوات بعض شروطها أو أركانها وبهذا الطريق قطع جمهور العراقيين والمذهب الأول (الخامسة) أن تسبق إحداهما ونعلم السبق ولا نعلم عين السابقة بأن سمع مريضان أو مسافران أو غيرهما ممن لا جمعة عليه تكبيرتين للإمامين متلاحقتين وهما خارج المسجد فأخبراهم بالحال ولم يعرفا المتقدمة فلا تبرأ ذمة واحدة من الطائفتين خلافا للمزني أيضا وفيما يلزمهم قولان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب (أحدهما) الجمعة وصححه الغزالي
(والثاني)
الظهر وصححه الأكثرون قالوا وهو القياس وهذا هو الصحيح ودليل القولين ما سبق في الصورة الرابعة ولو كان السلطان في هذه الصور الأربع الأخيرة مع إحدى الطائفتين فإن قلنا في الصورة الأولى الجمعة هي السابقة وهو الأصح فلا أثر لحضوره وإن قلنا الجمعة هي التي فيها السلطان فهنا أولى والله أعلم
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٥٩١)
في مذاهب العلماء في إقامة جمعتين أو جمع في بلد
* مذهبنا أنه لا يجوز جمعتان في بلد لا يعسر الاجتماع فيه في مكان كما سبق وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر ومالك وأبي حنيفة قال وقال أبو يوسف يجوز ذلك في بغداد دون غيرها والمشهور عن أبي يوسف إن كان للبلد جانبان جاز في كل جانب جمعة وإلا فلا ولم يخصه ببغداد وقال محمد بن الحسن يجوز جمعتان سواء كان جانبان أم لا وقال عطاء وداود يجوز في البلد جمع وقال أحمد إذا عظم البلد كبغداد والبصرة جاز جمعتان فأكثر إن احتاجوا وإلا فلا يجوز أكثر من جمعة واحدة وقال العبدري لا يصح عن أبي حنيفة في المسألة شئ وقال الشيخ أبو حامد حكى عامة أهل الخلاف كابن جرير وغيره عن أبي حنيفة كمذهبنا وحكى عنه الساجي كمذهب محمد دليلنا ما ذكره المصنف والأصحاب أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فمن بعدهم من الصحابة ومن بعدهم لم يقيموها في أكثر من موضع مع أنهم أقاموا العيد في الصحراء والبلد الصغير والله أعلم
المغني -ابن قدامة- (٣/٢١٢:٢١٣)
مسألة؛ قال: (وإذا كان البلد كبيرا [يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة)
وجملته أن البلد متى كان كبيرا] يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد، ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره، أو ضيق مسجده عن أهله، كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبار، جازت إقامة الجماعة فيما يحتاج إليه من جوامعها. وهذا قول عطاء. وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها؛ لأن الحدود تقام فيها في موضعين، و الجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله، أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين، جازت إقامة الجمعة في موضعين منه؛ لأن الجمعة حيث تقام الحدود. وهذا قول ابن المبارك. وقال أبو حنيفة، ومالك والشافعى: لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد؛ لأن النبى -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد، وكذلك الخلفاء بعده، ولو جاز لم يعطلوا المساجد، حتى قال ابن عمر: لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر، الذي يصلى فيه الإمام. ولنا، أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع، كصلاة العيد، وقد ثبت أن عليا، رضى الله عنه، كان يخرج يوم العيد إلى المصلى، ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدرى، فيصلى بهم. فأما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- إقامة جمعتين، فلغناهم عن إحداهما، ولأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى، وشارع الأحكام، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن، ولم ينكر، فصار إجماعا. وقول ابن عمر، يعنى أنها لا تقام في المساجد الصغار، ويترك الكبير. وأما اعتبار ذلك بإقامة الحدود، فلا وجه له. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: أي حد كان يقام بالمدينة؟ قدمها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار، فجمع بهم وهم أربعون
المغني -ابن قدامة- (٣/٢١٣:٢١٥)
فصل: فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز [أكثر من واحدة]، وإن حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد، لا نعلم في هذا مخالفا، إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر. قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه، ويجزئ ذلك من التجميع في المسجد الأكبر. وما عليه الجمهور أولى، إذ لم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة، إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل، فإن صلوا جمعتين في مصر واحد من غير حاجة، وإحداهما جمعة الإمام، فهى صحيحة تقدمت أو تأخرت، والأخرى باطلة؛ لأن في الحكم ببطلان جمعة الإمام افتياتا عليه، وتفويتا له الجمعة ولمن يصلى معه، ويفضى إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك، بأن يجتمعوا في موضع، ويسبقوا أهل البلد بصلاة الجمعة . وقيل: السابقة هي الصحيحة؛ لأنها لم يتقدمها ما يفسدها، ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها. والأول أصح؛ لما ذكرنا. وإن كانت إحداهما في المسجد الجامع، والأخرى في مكان صغير لا يسع المصلين، أو لا يمكنهم الصلاة فيه؛ لاختصاص السلطان وجنده به، أو غير ذلك، أو كان أحدهما في قصبة البلد، والآخر في أقصى المدينة، كان من وجدت فيه هذه المعانى صلاتهم صحيحة دون الأخرى. وهذا قول مالك؛ فإنه قال: لا أرى الجمعة إلا لأهل القصبة؛ وذلك لأن لهذه المعانى مزية تقتضى التقديم، فقدم بها، كجمعة الإمام. ويحتمل أن تصح السابقة منهما دون الأخرى؛ لأن إذن الإمام آكد، ولذلك اشترط في إحدى الروايتين. وإن لم يكن لإحداهما مزية، لكونهما جميعا مأذونا فيهما، أو غير مأذون في واحدة منهما، وتساوى المكانان في إمكان إقامة الجمعة في كل واحد منهما، فالسابقة هي الصحيحة؛ لأنها وقعت بشروطها، ولم يزاحمها ما يبطلها، ولا سبقها ما يغنى عنها، والثانية باطلة؛ لكونها واقعة في مصر أقيمت فيه جمعة صحيحة، تغنى عما سواها. ويعتبر السبق بالإحرام؛ لأنه متى أحرم بإحداهما حرم الإحرام بغيرها؛ للغنى عنها. فإن وقع الإحرام بهما معا فهما باطلتان معا لأنه لا يمكن صحتهما معا، وليست إحداهما بالفساد أولى من الأخرى، فبطلتا، كالمتزوج أختين، أو إذا زوج الوليان رجلين. وإن لم تعلم الأولى منهما، أو لم يعلم كيفية وقوعهما، بطلتا أيضا؛ لأن إحداهما باطلة، ولم تعلم بعينها، وليست إحداهما بالإبطال أولى من الأخرى، فبطلتا كالمسألتين. ثم إن علمنا فساد الجمعتين لوقوعهما معا، وجب إعادة الجمعة إن أمكن ذلك، لبقاء الوقت؛ لأنه مصر ما أقيمت فيه جمعة صحيحة، والوقت متسع لإقامتها فلزمتهم، كما لو لم يصلوا شيئا. وإن تيقنا صحة إحداهما لا بعينها، فليس لهم أن يصلوا إلا ظهرا؛ لأنه مصر تيقنا سقوط فرض الجمعة فيه بالأولى منهما، فلم تجز إقامة الجمعة فيه، كما لو علمناها. وقال القاضي: يحتمل أن لهم إقامة جمعة أخرى؛ لأننا حكمنا بفسادهما معا، فكان المصر ما صليت فيه جمعة صحيحة. والصحيح الأول؛ لأن الصحيحة لم تفسد، وإنما لم يمكن إثبات حكم الصحة لها بعينها، لجهلها، فيصير هذا كله كما لو زوج الوليان أحدهما قبل الآخر، وجهل السابق منهما، فإنه لا يثبت حكم الصحة بالنسبة إلى واحد بعينه، ويثبت حكم النكاح في حق المرأة، بحيث لا يحل لها أن تنكح زوجا آخر. فأما إن جهلنا كيفية وقوعهما، فالأولى أن لا يجوز إقامة الجمعة أيضا؛ لأن الظاهر صحة إحداهما، لأن وقوعهما معا بحيث لا يسبق إحرام إحداهما الأخرى بعيد جدا، وما كان في غاية الندرة فحكمه حكم المعدوم، ولأننا شككنا في شرط إقامة الجمعة ، فلم يجز إقامتها مع الشك في شرطها. ويحتمل أن لهم إقامتها؛ لأننا لم نتيقن المانع من صحتها. والأول أولى.
المغني -ابن قدامة- (٣/٢١٥)
فصل: وإن أحرم ب الجمعة ، فتبين في أثناء الصلاة أن الجمعة قد أقيمت في المصر، بطلت الجمعة ، ولزمهم استئناف الظهر؛ لأننا تبينا أنه أحرم بها في وقت لا يجوز الإحرام ب الجمعة ، فلا تصح، فأشبه ما لو تبين أنه أحرم بها بعد دخول وقت العصر. وقال القاضي: يستحب أن يستأنف ظهرا. وهذا من قوله يدل على أن له إتمامها ظهرا قياسا على المسبوق الذي أدرك دون الركعة، وكما لو أحرم ب الجمعة فانفض العدد قبل إتمامها. والفرق ظاهر؛ فإن هذا أحرم بها في وقت لا تصح الجمعة فيه، ولا يجوز الإحرام بها، والأصل الذي قاس عليه بخلاف هذا.