(1) تصح إمامة الصبي: وذلك لما ثبت أن عمرو بن سلمة الجرمي أم قومه؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا، وكان عمره ست سنين أو سبع سنين[1].
(2) وتصح إمامة المسافر للمقيم والمقيم للمسافر؛ فعن عمران بن حصـين قال: ما سافر رسول الله ﷺ سفرًا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثماني عشـرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم يقول: «يا أهل مكة، قوموا فصلوا ركعتين أخريين؛ فإنا قوم سفر»[2]. وفيه دليل على أن المقيم يأتم بالمسافر.
وعن موسـى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين؟ قال: «تلك سنة أبي القاسم ﷺ»[3]. وفيه دليل على أن المسافر يأتم بالمقيم.
(3) وتصح إمامة المتيمم للمتوضئ والمتوضئ للمتيمم: وقد تقدم في كتاب الطهارة صلاة عمرو بن العاص إمامًا وهو متيمم في غزوة ذات السلاسل، وأقره النبي ﷺ.
(4) وتصح إمامة الأعمى: لما ثبت أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين، فصلى بهم وهو أعمى[4]، ولما ثبت أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو رجل ضـرير في عهد رسول الله ﷺ[5].والراجح أن إمامة الأعمى والبصـير سواء وهو مذهب الشافعية خلافًا لمن كره إمامته، أو فضل إمامة البصـير عليها.
(5) وتصح إمامة المفترض للمتنفل، والمتنفل للمفترض؛ وذلك لما ثبت أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة[6]، وفي رواية زيادة: «هي له تطوع ولكم مكتوبة العشاء»[7]. ففيه دليل على أن الإمام يصلي نافلة والمأموم يصلي فريضة. قال الحافظ رحمه الله: (واستدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناءً على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية التطوع)[8]، ثم أيد رحمه الله هذا القول وقواه.
قلت: يترجح -والله أعلم- أنه يختص ذلك بأن تكون هذه النافلة صلاة معادة لنفس الفريضة؛ كما هو حديث معاذ، وأما مجرد الصلاة خلف من يصلي سنة الفريضة، فيصلي الآخر خلفه الفريضة، ففيه نظر يحتاج إلى بحث، وكذلك الحكم في المسألة التي بعدها. وعمومًا فلا مانع من الاقتداء به، كما تقدم كلام ابن حجر، وانظر كلام ابن حزم الآتي.
وأما صلاة المتنفل خلف المفترض؛ فلما ثبت أن النبي ﷺ صلى، فلما صلى إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد، فدعا بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قالا: قد صلينا في رحالنا، فقال: «لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الإمام ولم يصلِّ، فليصلِّ معه؛ فإنها له نافلة»[9]. و(الفرائص): جمع (فريصة)، وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب تفترص من الفزع يعني: ترتعد[10].
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها» الحديث، وفيه الأمر بأن يصلوا الصلاة في وقتها، قال: «فإن أدركتها معهم فصل؛ فإنها لك نافلة»[11].
قال ابن حزم رحمه الله: (إنه لم يأت قط قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس يوجب اتفاق نية الإمام والمأموم، وكل شـريعة لم يوجبها قرآن، ولا سنة، ولا إجماع فهي غير واجبة)[12].
وأما صلاة المتنفل بالمتنفل: فلما ثبت من صلاته ﷺ بابن عباس، وقد قام يصلي من الليل[13].
(6) وتصح صلاة المفترض بالمفترض، ولو خالفه في الفريضة؛ كأن يصلي أحدهما الظهر والثاني العصـر، وسواء كانت الفريضتان متساويتين في الركعات كالظهر والعصـر، أو إحداهما تختلف عن الأخرى كالمغرب والعشاء، ويجوز كذلك أن تكون إحداهما أداء والأخرى قضاء.
وأما ما اشتهر على ألسنة البعض: أنه لابد من موافقة نية الإمام والمأموم، فقول لا يقويه أي دليل، ومن ثم فهو قول باطل؛ وذلك لعموم الأدلة في صلاة الجماعة وهذا ليس من باب الاختلاف على الإمام، وإنما الاختلاف المقصود قد أوضحه الحديث؛ وهو عدم المتابعة، ولذلك قال: «فإذا كبر فكبروا... إلخ»، فلا يخالف إمامه، بل يتابعه.
ملحوظة: إذا كانت صلاة المأموم أقل في عدد الركعات من صلاة الإمام. كأن يصلي المغرب والإمام يصلي العشاء، فعلى المأموم أن ينفرد عن إمامه بعد الثالثة، ولا يتابعه، بل يجلس ويتشهد، وهو مخير بين أن يسلِّم أو ينتظر إمامه فيسلِّم معه. كما قال النووي في المجموع (4/143).
(7) هل يجوز أن يحول النية من منفرد إلى إمام؟
الجواب: نعم يجوز ذلك، فلو صلى إنسان ثم جاء آخر فاقتدى به جاز له ذلك، ودليله حديث ابن عباس عندما صلى خلف النبي ﷺ في صلاة الليل، وكذلك حديث جابر بن عبد الله عندما صلى خلف النبي ﷺ[14].
(8) حكم الصلاة خلف الفاسق والمبتدع: والمقصود بالفاسق: الذي يرتكب المحرمات، وكان ظاهر الفسق.
الراجح صحة إمامته؛ خاصة إذا كان أقرأهم والأدلة على ذلك كثيرة:
منها: عموم قوله ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ولم يستثن.
ومنها: قوله ﷺ عن أئمة الجور الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها: «صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة»، وقد تقدم[15].
ومنها: قوله ﷺ عن الأئمة: «يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم»[16]. قال ابن حجر رحمه الله: (قال المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه)[17].
قلت: وتقييده بالخوف لا دليل عليه في الحديث بل هو على عمومه. وقد ثبت عن شـيخ الإسلام أنه قيد ذلك بالحاجة، وهذا أعم من التقييد بالخوف.
ومنها: صلاة الصحابة خلف أئمة الفسق والجور؛ ففي صحيح البخاري عن عبيد الله بن عدي أنه دخل المسجد على عثمان وهو محصور، فقال له: «إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي إمام فتنة ونتحرج، فقال له عثمان: إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسن الناس فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم»[18].
قال ابن حجر رحمه الله: (وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة)[19]. وصلى عبد الله بن عمر خلف الحجاج، وخلف نجدة الخارجي.
قال ابن حزم رحمه الله: (ما نعلم أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، ولا فسق أفسق من هؤلاء). قال: (وكذلك الصـيام والحج والجهاد، من عمل شـيئًا من ذلك عملناه معه، ومن دعانا إلى إثم لم نجبه، ولم نعنه عليه)[20].
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (إذًا القول الراجح: صحة الصلاة خلف الفاسق، والرجل إذا صلى خلف شخص حالق لحيته، أو شارب الدخان، أو آكل الربا، أو زان، أو سارق، فصلاته صحيحة)[21].
(1) هذا الحكم فيما إذا كان الإمام راتبًا أو بولاية السلطان، ومهما أمكن عزله عُزل من باب الإنكار عليه، إلا إذا ترتب على ذلك ضـرر، وينبغي لولي الأمر أن لا يرتب هؤلاء الأئمة الفسقة والمبتدعة[22].
ومما يؤيد ذلك ما ثبت في سنن أبي داود وغيره عن السائب بن خلاد رضي الله عنه: أن رجلًا أم قومًا، فبصق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ: «لا يصلي لكم». فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله ﷺ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «نعم»، قال الراوي: وحسبت أنه قال: «إنك آذيت الله ورسوله»[23].
قال ابن تيمية رحمه الله: (ولا يجوز أن يولِّي المُصـر ولا المدمن إمامة الصلاة، لكن لو وُلي صُلِّى خلفه عند الحاجة؛ كالجمعة والجماعة التي لا يقوم بها غيره، وإن أمكن الصلاة خلف البر فهذا أولى)[24].
(2) فإذا أمكن المصلي أن يصلي خلف غير المبتدع وغير الفاسق فهو أحسن، وعلى هذا إذا كان في الحي مسجدان؛ أحدهما إمامه على السنة والتقوى، والآخر على البدعة أو الفسق، فإنه يصلي خلف الأول ولو كان مسجده هو الأبعد.
(3) قال ابن تيمية رحمه الله: (ليس من شـرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد، بل يصلي خلف مستور الحال)[25].