على من يكون ثمن الكفن؟
(1) يقدم شـراء كفن الميت وما يقوم بتجهيزه على قضاء الديون ونحوها من مال الميت، إلا أن يتبرع متبرع؛ سواء كانت جهة عامة، أو شخصا خاصًا يتكفل بتكفينه.
(2) إذا لم يكن للميت مال لتجهيزه، فإنه يجب على من تلزمه نفقته كالأبوين والأبناء، فإن لم يوجد ففي بيت المال، فإن لم يوجد فعلى من علم حاله من المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.
(3) الراجح أن الزوج يلزمه تكفين امرأته، وهو من باب العشـرة بالمعروف، والمكافأة بالجميل.
(4) يستحب في الكفن عدة أمور:
منها: البياض، وأن يكون ثلاثة أثواب؛ وذلك لما ثبت في الحديث «أن رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة»[1]، ولكن لو كفن في غير الأبيض جاز.
ومنها: أن يكون أحدها «حِبَرَة» إذا تيسـر؛ لقوله ﷺ: «إذا توفي أحدكم فوجد شـيئًا، فليكفن في ثوب حبرة»[2]، و«الحبرة»: (ما كان موشـيا مخططًا)[3]، والغالب أن هذه الخطوط من جنس الثوب نفسه.
ومنها: تبخير الكفن وتطييبه، كما تقدم.
ومنها: أن يكون الكفن سابغًا ساترًا جميع بدنه؛ لقوله ﷺ: «إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه»[4]. قال النووي رحمه الله: (قال العلماء: والمراد بإحسان الكفن: نظافته، وكثافته، وستره، وتوسطه، ليس المراد به السـرف فيه والمغالاة ونفاسته)[5].
(5) إذا لم يتيسـر السابغ، وضاق الكفن عن ستر جميع بدنه، ستر رأسه وما طال من جسده، وبقي الباقي مكشوفا؛ لما ثبت في دفن مصعب بن عمير أنهم لم يجدوا إلا نَمِرَة له؛ قال: فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «ضعوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر»[6]، وهو نوع من حشـيش الأرض.
(6) إذا مات مُحرمًا فإنه يكفن في ثوبيه اللذين أحرم فيهما؛ لما ثبت في حديث الذي وقصته دابته وهو محرم، فقال ﷺ: «وكفنوه في ثوبيه»[7].
(7) وأما الشهيد فإنه لا ينزع عنه ثيابه، بل يدفن وهي عليه؛ لما ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال في قتلى أحد: «زملوهم في ثيابهم»[8]، وفي رواية لأحمد: «زمِّلوهم بكلومهم ودمائهم»[9]، ومعنى «الكلوم»: الجروح.
ومع هذا فإنه يستحب أن يكفَّن بثوب أو أكثر فوق ثيابه، كما فعل النبي ﷺ بمصعب بن عمير، وقد تقدم، وكذلك فعل بحمزة ورجل آخر من الأنصار، فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى، حتى إذا كادت أن تشـرف على القتلى، قال: فكره النبي ﷺ أن تراهم، فقال: «المرأة المرأة»، قال: فتوسمت أنها أمي صفية، فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلدمت في صدري، وكانت امرأة جَلْدة، قالت: إليك لا أرض لك، فقلت: إن رسول الله ﷺ عزم عليك، فوقفت، وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، قد بلغني مقتله، فكفِّنه فيهما، قال: فجئنا بالثوبين لنكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفِّن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفَّنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له»[10].
(8) لا يشترط أن يكون الكفن جديدًا، بل يجوز أن يكفن في الثوب المغسول؛ لما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: «... اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفِّنوني فيهما»، فقالت عائشة: إنه خَلِق، فقال: إن الحي أولى بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة»[11]؛ يعني للتراب.
(9) قال النووي رحمه الله في (المجموع): (وأما الحرير فيحرم تكفين الرجل فيه، وأما المرأة فالمشهور القطع بجواز تكفينها فيه؛ لأنه يجوز لها لبسه في الحياة، لكن يكره تكفينها فيه؛ لأن فيه سـرفًا، ويشبه إضاعة المال، بخلاف اللبس في الحياة فإنه تجميل للزوج)[12]. قال أحمد رحمه الله: (لا يعجبني أن تكفن في شـيء من الحرير)[13].
(10) من البدع كتابة الآيات القرآنية أو كلمة التوحيد على كفن الميت، أو تغطيته بها، فهذا ليس من عمل السلف، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ثم إن فيه امتهانًا لكلام الله بجعله غطاء يتغطى به الميت.
(11) ما يتوارد على ألسنة بعض العامة من أن الموتى يتفاخرون بأكفانهم، كلام لا أصل له، وما ورد فيه من ذلك فلا يصح.