خامسًا: استقبال القبلة:
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بشرط استقبال القبلة

والمقصود بالقبلة: الكعبة، ويجب استقبالها بدلالة القرآن والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 149].
وأما السنة: فمنها حديث المسـيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر»[1].
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب استقبال القبلة في الصلاة.
ومعنى الاستقبال: أن من كان قريبًا من الكعبة يجب عليه أن يتجه إلى عين الكعبة. بحيث يكون بجميع بدنه مستقبلًا به عين الكعبة. وأما من كان بعيدًا عن الكعبة فيكفيه في ذلك استقبال جهة الكعبة، فمن كان في جهة الشمال تكون قبلته جهة الجنوب، أي: ما بين المشـرق والمغرب؛ وذلك لما ثبت في الحديث: «ما بين المشـرق والمغرب قبلة»[2].
(1) يستدل على القبلة إما بالمشاهدة، أو بخبر ثقة عن يقين، أو اجتهاد، والمقصود (بالثقة) العدالة والخبرة، وسواء كان رجلًا أو امرأة. والمقصود بقولنا: (يقين) أي بمشاهدة كأن يكون من أهل البلدة، والمقصود بقولنا: أو (اجتهاد) أي معرفة الاتجاه بالأمارات والأدلة.
ويستدل على القبلة أيضًا بالدلائل التي تعارف عليها الناس؛ كبناء المحاريب في المساجد[3]، أو بالنجوم لمن له خبرة بذلك، أو بالشمس والقمر ومنازلهما لمن له خبرة بذلك. ومما يستدل به الآن: البوصلة: يعمل بالبوصلة في التعرف على جهة القبلة وكذا بالساعات في معرفة الأوقات، والأصل في ذلك الاستقراء؛ حيث إن الناس وجدوها بعيدة عن الخطأ (فقه النوازل 2/148).
(2) إذا اجتهد اثنان مجتهدان فاختلفا في جهة القبلة، لم يتبع كل منهما الآخر، بل يصلي كل منهما إلى حيث أدَّاه اجتهاده؛ فعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزل ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة:115][4]. واختلف العلماء هل يجوز لهما أن يصليا جماعة مع اتجاه كل منهما إلى قبلته؟ على قولين؛ رجح الشـيخ ابن عثيمين جوازه[5].
(3) وإن كان مع المجتهدين رجل مقلد فعليه أن يتبع الأوثق عنده.
(4) إذا صلى بغير اجتهاد أو تقليد فإن أخطأ (أي وجد نفسه على غير القبلة) أعاد، وإن أصاب لم يُعد. وإن صلى باجتهاد فأخبره ثقة عن يقين أنه مخطئ استدار وأتم صلاته، وأما إن أخبره -يعني هذا الآخر- عن اجتهاد فلا يلزمه متابعته[6].
وكذلك إذا تبين له خطؤه بنفسه في أثناء الصلاة، استدار إلى الجهة التي رأى أنها هي الصحيحة، وأتم صلاته.
(5) إذا اجتهد في بعض الصلوات وصلى على اجتهاده، ثم شك في اجتهاده فعليه الاجتهاد مرة أخرى، ولا يلزمه إعادة الصلوات الماضـية حتى لو كان اجتهاده الثاني يخالف الأول.
(6) هناك حالات يجوز فيها عدم استقبال القبلة:
منها: العجز: كمريض لا يستطيع الحركة، وليس عنده من يوجهه إلى القبلة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن:16].
ومنها: اشتداد الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة:239]. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها». قال نافع: «ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ»[7]. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (لو هرب الإنسان من عدو، أو من سـيل، أو من حريق، أو من زلازل، وما أشبه ذلك؛ فإنه يسقط عنه استقبال القبلة)[8]. وفي كل ما سبق إن أمكنه استقبالها استقبلها.
ومنها: المتنفل الراكب في السفر؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان النبي ﷺ يسبح على راحلته قِبَلَ أي وجهةٍ تَوَجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة»[9]. ومعنى «يسبح»: يصلي النافلة. لكنه يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام إن استطاع؛ لما ثبت عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه[10].
قلت: ويومئ في السجود والركوع، وإذا لم يتمكن من تكبيرة الإحرام تجاه القبلة كبر حيثما تيسـر له.