حجم الخط:

تطهير النجاسات بمختلف أنواعها

(1) تطهير دم الحيض:

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي فقالت: إحدانا يصـيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع؟ فقال: «تحتُّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» متفق عليه[1]. ومعنى «الحت»: الحك، والمقصود إزالة عين الدم بأن تدلك موضع الدم، والمقصود بـ «النضح» الغسل كما ورد في رواية أخرى عند ابن خزيمة وابن حبان بإسناد صحيح من حديث أم قيس بنت محصن؛ وفيه أن رسول الله قال: «حكيه بضلع واغسليه»[2]. و«الضلع» عود ونحوه.

ملحوظة: بقاء أثر النجاسة بعد إزالة عينها لا يضـر، خصوصًا إذا تعسـرت إزالتها لقوله : «يكفيك الماء ولا يضـرك أثره»[3].

(2) تطهير الإناء من ولوغ الكلب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «طُهُور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب»[4].

دل هذا الحديث على نجاسة لعاب الكلب، وأنه ينُجِّس الإناء إذا ولغ فيه، ومعنى «الولوغ»: أن يدخل لسانه في الإناء ويحركه؛ سواء شـرب، أو لم يشـرب. ولتطهير الإناء من ولوغ الكلب -بعد إراقة الماء الذي ولغ فيه- فعليه أن يغسله سبع مرات على أن يُجعل في أول غسلة تراب. قال عبد الله الجبرين: (يلزم غسل لعاب الكلب وأثره، سواء على الملابس أو على البدن أو على الفرش، ويكرر الغسل إلى أن يزول أثر نجاسته، ولا يشترط التراب إلا في الإناء)[5].

تنبيه: الحديث ورد في ولوغ الكلب فقط، فلا يدل هذا الحديث على نجاسة بقية أجزائه على الصحيح؛ قال ابن تيمية رحمه الله: (والأظهر أن شعر الكلب طاهر؛ لأنه لم يثبت فيه دليل شـرعي)[6].

(3) تطهير النعل إذا أصابته نجاسة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور»[7]، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي قال: «إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيها، فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصلِّ فيها»[8].

دل هذان الحديثان على أن النعل أو الخف المتنجس يكفي في تطهيره أن يدلك بالأرض حتى يذهب أثر هذه النجاسة. ويقاس على ذلك ما إذا صلى بالنجاسة جاهلًا أو ناسـيًا فلا إعادة عليه، وإن تذكر في أثناء الصلاة، أو علم بها وجب إزالتها؛ وذلك لما رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضـى رسول الله صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله : «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا...» الحديث[9].

(4) تطهير ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة:

الواجب على المرأة أن تطيل ثوبها حتى لا تتكشف ولا يظهر منها شـيء، ولكن قد يعلق بذيل ثوبها نجاسة إن هي مرت عليها، فماذا تفعل؟

روى أحمد وأبو داود أن امرأة قالت لأم سلمة رضي الله عنها: إني أطيل ذيلي وأمشـي في المكان القذر؟ فقالت لها: قال رسول الله : «يطهره ما بعده»[10]. وعلى هذا فيكفيها مشـيها في المكان الطاهر، فتطهره الأرض.

(5) تطهير الأرض:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي : «دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسـرين، ولم تبعثوا معسـرين»[11].في هذا الحديث دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بصب الماء عليها. وقد وردت آثار أن الأرض تطهر أيضًا بالجفاف؛ فعن أبي قلابة قال: إذا جفت الأرض فقد زكت[12]. وثبت هذا أيضًا عن ابن الحنفية والحسن البصـري[13]. هذا إذا كانت النجاسة مائعة -أي سائلة- أما إذا كان لها جِرْم وأثر -أي جامدة- فلا تطهر إلا بزوال عينها أو استحالتها إلى شـيء آخر.

(6) تطهير الأطعمة الجامدة إذا وقعت فيها نجاسة:

عن ابن عباس رضي الله عنهما عن ميمونة رضي الله عنها أن رسول الله سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: «ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم»[14].

وقد فرق جمهور العلماء بين السمن الجامد والسمن المائع، فرأوا أنه إن كان جامدًا ألقيت النجاسة وما حولها والباقي يكون على أصل الطهارة، وأما إن كان مائعًا فذهب البعض إلى الحكم بنجاسته كله، وذهب آخرون إلى أنه لا ينجس إلا بالتغير، وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وهذا هو الراجح وهو مذهب الزهري والبخاري، ورجحه ابن تيمية. والله أعلم. وأما إذا وقعت الفأرة في السمن وخرجت حية ولم تمت، فالسمن طاهر، سواء كان جامدًا أو مائعًا.

تنبيهات:

(1) تقدم في المسألة السابقة تطهير جلود الميتة ، وتطهير بول الغلام وتطهير المذي. فراجعه[15].

(2) الآنية المصقولة كالمرآة والسكين والزجاج ونحوها، يكفي في طهارتها المسح الذي يزيل أثر النجاسة.

(3) إذا مات حيوان في بئر ونحوه، فإن كان الماء لم يتغير فهو طاهر، وأما إن تغير فإنه ينزح منه من الماء حتى يطيب[16].

(4) قال ابن تيمية رحمه الله: (والاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحبًّا ولا مشـروعًا، بل المستحب بناء الأمر على الاستصحاب)[17].

قلت: وعلى ذلك: لا يسأل عن طهارة الماء إذا أصابه، بل يحمله على الأصل، وهو الطهارة. قال شـيخ الإسلام رحمه الله: (وإذا شك في روثة هل هي نجسة أم طاهرة؟ ففيها قولان بناء على أن الأصل في الروث النجاسة، أم الأصل في الأعيان الطهارة؟ وهذا الأخير أصح)[18].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة