(جـ) حد عورة الرجل وعورة المرأة:
اختلف العلماء في عورة الرجل، وذلك بعد اتفاقهم على أن السوأتين (القبل والدبر) عورة، ولكنهم اختلفوا هل الفخذان عورة أم لا؟
فذهب فريق من العلماء إلى أنهما ليسا بعورة، واستدلوا على ذلك بأحاديث: منها حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا، قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: «يا عائشة، ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه»[1]. وعن أنس رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ يوم خيبر حسـر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه»[2].
وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن الفخذين عورة، وهو الأرجح؛ وذلك لحديث محمد ابن جحش قال: مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: «يا معمر غط فخذك فإن الفخذين عورة»[3]. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. وقد ذهب البخاري إلى أن العمل بحديث جرهد أحوط. ورجح الشوكاني أدلة القائلين بالوجوب؛ لأن الأحاديث التي بها كشف العورة في قضايا خاصة لا تحمل على العموم، ثم إنها أحاديث فعل، وحديث جرهد قول، وأنه إذا تعارض القول والفعل قدم القول. هذا، وقد قسم بعضهم عورة الرجل إلى (مغلظة) وهي القبل والدبر، و (مخففة) وهي الفخذان.
وأما السـرة والركبة فليستا من العورة، وقد وردت في ذلك أحاديث لا يخلو كل منها من مقال، ومما يستدل به على أن الركبة ليست من العورة حديث أبي الدرداء قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ: «أما صاحبكم فقد غامر، فسلم»[4]، والحجة منه أن النبي ﷺ أقره على كشف الركبة ولم ينكر عليه. ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «ما بين السـرة والركبة عورة»[5].
ثبت في الحديث: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشـرفها الشـيطان»[6] وقد اختلف العلماء في عورة المرأة أمام الأجانب على قولين: فمنهم من يرى أن جميع بدن المرأة عورة إلا الوجه والكفين، ومنهم من يرى أن جميع بدن المرأة عورة ويجب عليها تغطية الوجه والكفين، وهو الراجح من حيث الأدلة[7]، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية وابن عثيمين وابن باز رحمهم الله، وقد صنفت في ذلك رسالة: تذكير أولات الألباب بما ورد في فضل الحجاب والنقاب.
وأما أمام محارمها وأمام النساء مثلها، فلها أن تكشف عن مواضع الزينة الظاهرة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾ [النور:31].
فيجوز للمرأة أن تكشف أمام من ذكروا في الآية عن مواضع الزينة؛ كالعنق والساعدين والقدمين، ولا يجوز لها أن تكشف عن صدرها وظهرها وفخذها ونحو ذلك أمامهم.