حجم الخط:

(1) تحريم بيع الميتة:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ وهو بمكة عام الفتح يقول: «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام»، ثم قال رسول الله ﷺ: «قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جَمَلُوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه»[1]، ومعنى «جملوه»: أذابوه. قال ابن حجر رحمه الله: (الميتة: ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شـرعية)[2]، وقال ابن المنذر رحمه الله: (الإجماع على تحريم بيع الميتة)[3].

العلة في تحريم بيع الميتة:

ذهب فريق من العلماء إلى أن العلة في تحريم بيع الميتة هي النجاسة، وبناء على ذلك قاسوا عليها تحريم بيع كل نجس.

قال الصنعاني رحمه الله: (والأظهر أنه لا ينهض دليل على التعليل بذلك، بل العلة: التحريم، ولذا قال ﷺ -أي عن اليهود-: «حرمت عليهم الشحوم» إلخ، فجعل العلة نفس التحريم)[4]. ومقصود الصنعاني أن علة تحريم البيع للميتة هي أنها مُحرَّمة لا لكونها ميتة، وعلى هذا فيحرم بيع كل شئ مُحرَّم ومنها الميتة.

ويتعلق بحكم الميتة ما يلي:

(أ) يدخل في حكم الميتة ما قطع من البهيمة وهي حية؛ أي: من اللحم والشحم والعصب؛ لما تقدم من قوله ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة»[5].

(ب) الحيوان غير مأكول اللحم حكمه حكم الميتة، حتى ولو ذُكِّي بالذبح.

(ج) شعر الميتة وصوفها ووبرها وعظمها وقرنها مما لا تُحِلْه الحياة طاهر؛ لذا فإنه يجوز بيعه؛ قال الصنعاني رحمه الله: (ولا يصدق عليها -أي الشعر والصوف والعظم- اسم الميتة، وجواز بيعها مذهب الجمهور)[6].

(د) جلد الميتة إذا دبغ، جاز بيعه، وأما إذا لم يدبغ، فلا يجوز بيعه؛ قال ابن قدامة رحمه الله: (ويجوز بيعه -يعني الجلد- وإجارته والانتفاع به في كل ما يمكن الانتفاع به فيه سوى الأكل؛ لأنه صار بمنزلة المذكى في غير الأكل، ولا يجوز بيعه قبل دبغه؛ لأنه نجس)[7].

قلت: وفي الحديث دليل على تحريم بيع النجاسات؛ لقوله ﷺ في آخر الحديث: «قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جَمَلُوه فباعوه فأكلوا ثمنه»، والنجاسات حرَّمها الله، لذا ذهب جمهور العلماء إلى حرمة بيعها، واستثنى الحنفية والظاهرية كل ما فيه منفعة تحل شـرعًا، فجوزوا بيعه؛ كاستعمال الأرواث والأزبال النجسة التي تدعو الضـرورة إلى استعمالها في البساتين، وينتفع بها وقودًا وسَمادًا.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة