(2) الكفاءة في الأمور الأخرى غير الدين:
اعتبر الجمهور في الكفاءة مع الدين أمورًا أخرى، وهي: النسب، والحرية، والحرفة. وزاد الحنفية والحنابلة: اليسار (المال).
أما المالكية فالكفاءة عندهم في الدين، والسلامة من العيوب فحسب.
والذي يترجح من الأدلة أن الكفاءة في الدين فقط هي الشـرط المعتبر في النكاح؛ فلا تتزوج من كافر، ولا تتزوج من زان إلا أن يتوب، وكذلك لا يتزوج الزانية إلا أن تتوب[1]. وأما المال والحسب والصنعة فهي لا تشترط في الكفاءة، وليست شـرطًا في النكاح، وعلى هذا فلو رضـيت المرأة الغنية الحسـيبة ووليها القريب منها بتزويجها من الفقير المولى، فالنكاح صحيح.
ولكن هل للمرأة وأوليائها أن ينظروا ويراعوا في الاختيار الأمور الأخرى غير الدين؟ أعني إذا جاء الكفء المسلم فهل للمرأة وأوليائها أن يعتبروا الأمور الأخرى ليبدوا رأيهم بالقبول أو الرفض؟
الراجح أن لهم اعتبار ذلك، فالشـرط الوحيد: (الدين)، لكن هذا لا يمنع حقهم أن ينظروا في مصلحة موليتهم، من باب الكمال وحُسن الاختيار؛ ودليل ذلك:
(1) حديث فاطمة بنت قيس أنها جاءت تستشـير النبي ﷺ وقد خطبها معاوية وأبو جهم رضي الله عنهما، ولا شك أن الكفاءة في الدين هنا موجودة فضلًا عن شـرف الصحبة، ولكن النبي ﷺ قال لها: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضـرَّاب للنساء»[2].
(2) عن بريدة رضي الله عنه قال: خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة، فقال رسول الله ﷺ: «إنها صغيرة»، فخطبها عليٌّ فزوجها منه[3]. قال السندي في حاشـيته على النسائي: (قوله: «فخطبها عليٌّ»، أي عقب ذلك بلا مهلة، كما تدل عليه الفاء، فعلم أنه لاحظ الصغر بالنظر إليها، وما بقي ذاك بالنظر إلى علي، فزوَّجها منه، ففيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى المؤالفة، نعم قد يترك ذاك لما هو أعلى منه، كما في تزويج عائشة رضي الله عنها)[4].
(3) قوله ﷺ: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر»، وهذا يشعر بمراعاة رغبتها في خاطبها، ولا يلزمها الموافقة على من خطبها لمجرد كونه مسلمًا، بل لها النظر في أمرها، فلو كانت هذه الأمور غير معتبرة، لكان يجب على الفتاة أن توافق على كل مسلم خطبها، وهذا لم يقل به أحد.