حجم الخط:

(9) صوم العشر من ذي الحجة:

ثبت في «صحيح البخاري» عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» -يعني أيام العشـر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشـيء»[1]. قال الحافظ رحمه الله في «الفتح»: (واستدل به على فضل صـيام عشـر ذي الحجة؛ لاندراج الصوم في العمل)[2]. وقال النووي: (ليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا، لا سـيما التاسع منها، وهو يوم عرفة)[3].

قلت: ويُرجِّح هذا ما في سنن أبي داود وغيره أن رسول الله ﷺ كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر[4]. لكن يشكل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشـر قط»، وفي رواية: «في العشـر قط»[5].

وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة.

قال النووي رحمه الله: (فيتأول قولها: «لم يصم العشـر» أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صـيامه في نفس الأمر)[6].

وقال ابن حجر رحمه الله: (لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل، وهو يحب أن يعمله؛ خشـية أن يفرض على أمته)[7].

تنبيه: فيما يتعلق بصوم رجب:

لم يثبت فضـيلة لإفراد صوم شهر رجب، ولا صـيام أيام منه، بل صـيامه كباقي الشهور؛ من كان له عادة بصـيام فهو على عادته، ومن لم يكن له عادة فلا وجه لتخصـيص صومه، ولا صوم أوله، ولا ليلة السابع والعشـرين منه بصوم، بل ثبت عن عمر النهي عن ذلك.

فعن خرشة بن الحر قال: رأيت عمر يضـرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: «كلوا؛ فإنما هو شهر تعظمه الجاهلية»[8]. وثبت كراهة صومه عن ابن عباس، وأبي بكرة، وأنس، وغيرهم. قال الألباني رحمه الله: (نهْيُ عمر رضي الله عنه عن صوم رجب المفهوم من ضـربه للمترجبين ليس نهيًا لذاته، بل لكي لا يلتزموا صـيامه ويُتِمُّوه كما يفعلون برمضان). قال ابن قدامة رحمه الله: (ويكره إفراد رجب بالصوم)[9].

قلت: وأما حديث «صم من الحُرُم واترك» فهو حديث ضعيف[10] لا يصح الاحتجاج به، وإن صح فليس فيه دليل على تخصـيص رجب بصوم. وعلى هذا فيجوز الصـيام في رجب إذا وافق له عادة بصـيام، وأما إن خصه أو اعتقد أن لصـيامه فضـيلة خاصة، فهذا لا دليل عليه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة