هل يجوز تغيير شـرط الواقف؟
قال ابن تيمية: (يجوز تغيير شـرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، حتى لو أوقف على الفقراء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد، صـرف إلى الجند)[1].
قلت: وأما العبارة المشهورة: (شـروط الواقف كنصوص الشـرع)، فهذه الجملة من أبطل الكلام، فليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدًا، بل نصوص الواقف يتطرق إليها التناقض والاختلاف، فيجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها، ولا حرمة لها حينئذ البتة، ويجوز بل يترجح مخالفتها إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله منها، وأنفع للوقف والموقوف عليها[2].
قلت: فعلى هذا لو اقترن الوقف بشـرط (باطل) وهو ما ينافي مقتضـى الوقف بطل الوقف، كأن يشترط لنفسه حق الرجوع في الوقف متى شاء، فإن هذا الشـرط يبطل الوقف.
وأما لو اشترط شـرطًا يخل بالوقف أو بمصلحته، أو يخالف الشـرع؛ كأن يشترط عدم تعمير الموقوف لو احتاج لذلك، أو يشترط ألا يعزل الناظر (المدير) من أولاده حتى لو خان، أو يشترط أن يخصص جزء من الوقف في معصـية، فكل هذه الشـروط فاسدة، وحكم الوقف في هذه الحالة: أن الوقف صحيح والشـرط باطل.
المقصود بهذا السؤال إذا خرب الوقف، أو بطل الانتفاع به نتيجة استهلاكه، فهل يجوز بيعه، أو يظل هكذا معطلًا؟
أقوال للفقهاء، أرجحها أنه يجوز بيعه إذا خرب الوقف، أو تعطلت منافعه، أو كان الوقف مسجدًا وانتقل أهل المنطقة عنه؛ بحيث صار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسـيعه في موضعه؛ فإنه يباع، والحالة هذه، ويجعل مكانه ما ينتفع به، وهذا مذهب الحنابلة[3].
قالوا أيضًا: لكن إذا لم تتعطل مصالحه بالكلية، ولكن قلَّت، فإنها لا تباع؛ لأن الأصل تحريم بيعه، اللهم إلا إذا قل النفع إلى حد لا يعد نفعًا، فيكون وجوده كعدمه.
قالوا: وما فضل من حصـر المسجد وزيته، ولم يحتج إليه؛ جاز أن يجعل في مسجد آخر، أو يتصدق به على فقراء جيرانه.
ويرى شـيخ الإسلام ابن تيمية جواز إبدال الوقف بخير منه، إذا كان الإبدال للحاجة، مثل أن تتعطل منافعه؛ فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، أو كان الإبدال لمصلحة راجحة؛ مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل المسجد إذا بنى بدله مسجدًا آخر أصلح لأهل البلد منه، وبيع الأول، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء[4].
الوقف إذا كان على معينين، فحصل من مال الوقف ما بلغ النصاب، فقد وجبت زكاته؛ لأنهم تملكوا المال فوجب عليهم زكاته، وأما إذا كان على غير معينين؛ كالوقف على المساكين؛ فإنها لا تجب فيه زكاة؛ سواء بلغ النصاب أم لا، وهذا مذهب الحنابلة وقول للشافعية[5].
المقصود بالمنقول ما ينقل ويحول كالثياب والحيوان[6]؛ وقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز الوقف في كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به، سواء كان منقولًا أو غير منقول، وخالف في ذلك الحنفية، فلم يجيزوه في المنقول إلا إذا كان تبعًا للأصل.
والراجح: قول الجمهور؛ لما ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «أما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله»[7]، ومعلوم أن الأدرع والأعتاد من المنقول.
ولما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا؛ فإن شِبَعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات»[8].
قال البخاري: (باب وقف الدواب والكُراع والعروض والصامت)[9]. و«الكراع» اسم لجميع الخيل، و«العروض»: الممتلكات غير النقد، و«الصامت»: المقصود به الذهب والفضة.