(4) يجب على القاضـي أن يقضـي في كل حادثة بما ثبت عنده أنه حكم الله، من الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو بدليل الاجتهاد بالقياس الشـرعي.
(5) حكم القضاء نافذ ظاهرًا لا باطنًا، وهذا قول جمهور العلماء، والمعنى: أن القاضـي يحكم بالظاهر، ويتحرى الحق، والله يتولى السـرائر، لكن حكمه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضـي له بنحو ما أسمع، فمن قضـيت له من حق أخيه بشـيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار»[1].
(6) لا يجوز عند المالكية والحنابلة أن يقضـي القاضـي بعلم نفسه؛ لا في حد ولا في غيره؛ سواء علم بذلك قبل القضاء أم بعده، ودليلهم قوله في الحديث السابق: «فأقضـي بنحو ما أسمع» أي من الخصمين، لا بما يعلم، ولما ثبت أن النبي ﷺ قال في قضـية بين خصمين: «شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذلك»[2].
وعند الشافعية: يجوز أن يقضـي القاضـي بعلم نفسه، إلا في الحدود، قالوا: لأنه إذا كان يحكم فيه بما يفيد الظن، وهما الشاهدان، فحكمه بعلمه أولى، وأما الحدود فإنها تدرأ بالشبهات.
وعند الحنفية تفاصـيل في قضاء القاضـي بعلمه، إلا أن المعتمد عند المتأخرين يوافق قول المالكية والحنابلة، وهو الأرجح لقوة دليله، وحتى لا تكون تهمة في حكم القاضـي.
ورجح الشـيخ ابن عثيمين أنه يجوز للقاضـي أن يقضـي بعلمه في ثلاثة أمور:
الأول: في عدالة الشهود، إذا علم عدالتهما لا يحتاج إلى طلب تزكيتهما.
الثاني: ما علمه في مجلس القضاء؛ كأن يقر المدَّعَى عليه في المجلس، ثم ينكر بعد ذلك، فللقاضـي أن يحكم بما علمه من إقراره أولًا.
الثالث: إذا كان الأمر مشتهرًا يعلمه الخاص والعام؛ كأن يشتهر في بلد أن هذا المكان أوقفه صاحبه على الفقراء، ثم يأتي ورثته فينكرون هذا الوقف ويريدون إدخاله في الإرث، فيجوز للقاضـي أن يحكم بما علم واشتهر أنه وقف.
(7) لا يجوز للقاضـي أن يقضـي لمن لا تقبل شهادته له، فلا يجوز أن يقضـي لنفسه، ولا لأبويه وإن علوا، ولا لزوجته، ولا لأولاده وإن سفلوا، ولا لشـريكه في المال المشترك بينهما لوجود التهمة.
(8) وكذلك لا يجوز للقاضـي أن يقضـي على عدوه، ويجوز أن يقضـي له؛ لأنه في الأولى توجد التهمة، وأما في الثانية فإنها دليل على إنصافه.