حجم الخط:

آداب وأحكام تتعلق بالهبات:

(1) النية الصالحة:

وردت أحاديث في الحث على التهادي؛ منها: قوله ﷺ: «تهادَوا تحابُّوا»[1]، وقوله: «الهدية تذهب وَحَرَ الصدر»[2]. ومعنى: «وَحَر الصدر» أي: حقده وغيظه.

وقال أنس رضي الله عنه: «يا بني، تباذلوا بينكم، فإنه أوَدُّ لما بينكم»[3]. فينوي بهديته مرضاة الله؛ بتقوية علاقته بالمسلمين، وتحقيق المودة بينهم.

(2) ويستحب التهادي ولو بالشـيء اليسـير:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسِن شاة»[4]. و«الِفرْسن» هو عظم قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس، ويطلق على الشاة مجازًا.

قال ابن حجر: (وأشـير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشـيء اليسـير وقبوله، لا إلى حقيقة الفرسن؛ لأنه لم تجر العادة بإهدائه، أي: لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسـر وإن كان قليلًا، فهو خير من العدم، وذكر الِفْرسِن على سبيل المبالغة)[5].

(3) ولا يحتقر الإنسان ما أهدي إليه ولو كان يسـيرًا:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت»[6]. «الكراع»: من البقر والغنم ما دون الرُّكبة من الساق[7].

قال ابن بطال: (أشار عليه الصلاة والسلام بالكراع والفرسن إلى الحض على قبول الهدية ولو قلَّت، لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشـيء، فحض على ذلك لما فيه من التآلف)[8].

قال ابن حجر: (وذكر الفرسن على سبيل المبالغة، ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع للمهدى إليها، وأنها لا تحتقر ما يهدى إليها ولو كان قليلًا، وحمله على الأعم من ذلك أولى[9]، وفي حديث عائشة المذكور: «يا نساء المؤمنين، تهادين ولو فِرْسِن شاة؛ فإنه ينبت المودة ويذهب الضغائن»[10].

وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسـير؛ لأن الكثير قد لا يتيسـر كل وقت، وإذا تواصل اليسـير صار كثيرًا، وفيه استحباب المودة وإسقاط التكلف)[11].

(4) ويجوز أن يستوهب من أصحابه:

يجوز للإنسان أن يطلب من آخر هدية؛ سواء كانت عينًا أو منفعة بغير كراهة، إذا كان يعلم طيب نفسه بذلك، وفي ذلك أحاديث:

منها: عن سهل رضي الله عنه أن النبي ﷺ أرسل إلى امرأة من المهاجرين، وكان لها غلام نجار، قال: «مري عبدك فليعمل لنا أعواد المنبر..» الحديث[12].

ومنها: عن أبي سعيد أن رهطًا من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرةٍ سافروها، حتى نزلوا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضـيفوهم، فلدغ سـيد ذلك الحي فسعوا له بكل شـيء لا ينفعه شـيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم، لعله أن يكون عند بعضهم شـيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سـيدنا لدغ فسعينا له بكل شـيء لا ينفعه شـيء، فهل عند أحدٍ منكم شـيء، فقال بعضهم: نعم، والله إني لراقٍ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضـيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق فجعل يتفل ويقرأ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ [الفاتحة:2] حتى لكأنما نشط من عقال، فانطلق ما به قَلَبَة، قال: فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: «ما يدريك أنها رقية، أصبتم، اقسِموا، واضـربوا لي معكم بسهم»[13].

قال البخاري رحمه الله: باب من استوهب من أصحابه. قال الحافظ في شـرحه: (أي: سواء كان عينًا أو منفعة جاز، أي: بغير كراهة في ذلك إذا كان يعلم طيب أنفسهم)[14].

(5) وعلى المهدى إليه أن يقبل الهدية:

فقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية من أصحابه؛ فقبل هدية أبي قتادة من الصـيد الذي صاده، وقبل خميصة أبي جهم، وكان الصحابة رضي الله عنهم يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ. وقد ثبت في الحديث عن خالد بن عدي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من جاءه من أخيه معروف، من غير إشـراف ولا مسألة؛ فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه»[15].

آداب رد الهدية:

(أ) إذا ردَّ الهدية لعلة تستوجب عدم قبوله بيَّن له السبب في رده تطييبًا لقلبه؛ ففي (الصحيحين) من حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه أنه أهدى الرسول ﷺ حمارًا وحشـيا، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: «أما إنا لم نَردُّه عليك إلا أنَّا حُرم»[16]، أي: أنه لا يحل للمحرم أن يأكل من الصـيد الذي صـيد من أجله، فلذلك رده النبي ﷺ.

(ب) ويجوز أن يرد الهدية لسبب شـرعي، ولا بأس أن يطلب منه شـيئًا آخر تطييبًا لقلبه أيضًا؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: صلَّى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام، فقال: «شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيته»[17]. و«الخميصة»: كساء مربع من صوف له أعلام، «الأنبجانية»: لا علم له، والمقصود بالعَلَم: خطوط تكون فيه أو نقوش.

(6) ويجوز للغني أن يأكل مما تُصدق به على الفقير إذا أهداه الفقير إليه:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أُتِي النبي ﷺ بلحم، فقيل: تُصُدق به على بريرة، قال: «هو لها صدقة، ولنا هدية»[18].

(7) ويستحب أن يقصد أوقات المسـرة بالهدايا:

وذلك ليزداد سـرور المهدى إليه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن الناس كانوا يتحَرَّون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بها -أو يبتغون بذلك- مرضاة رسول الله ﷺ»[19].

(8) ولا يرد الطيب إذا أهدي إليه:

عن ثمامه بن عبد الله قال: كان أنس رضي الله عنه لا يرد الطيب، وزعم أنس أن النبيﷺ كان لا يرد الطيب[20].

قلت: وقد وردت الحكمة من ذلك؛ عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف المَحْمِل، طيب الرائحة»[21].

وفي سنن الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «ثلاثة لا تُرد: الوسائد، والدهن، واللبن»[22]. قال الترمذي: يعني بالدهن: الطيب.

(9) ويستحب الإثابة والمكافأة على الهبة:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها[23].

(10) إذا لم يجد ما يكافئ به دعا لصاحبه:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه»[24].

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء»[25].

(11) والأفضل أن تكون الهدية لذوي الأرحام:

عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها أعتقت وليدة لها، فقال لها: «لو وصلت بعض أخوالك كان أعظم لأجرك»[26].

(12) فإن أهدى لجيرانه فالأولى أقربهم بابًا:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن لى جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا»[27].

(13) ولا يرجع في هبته:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»[28].

هل يجوز التهادي مع المشـركين؟

الجواب: نعم، يجوز التهادي مع المشـركين، سواء اهداؤهم، أو قبول هداياهم، ولكن بشـرط ألا يكون التهادي إحياءً لشـركهم، أو إظهارًا للبهجة بأعيادهم، أو نحو ذلك.

وقد قبل النبي ﷺ هدية كسـرى، وهدية قيصـر، وهدية المقوقس، وهدية ملك أيلة، وأهدى النبي ﷺ لهم، وفي البخاري: أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشـركة في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيت رسول الله ﷺ، قلت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك»[29].

الهدايا المباحة والهدايا المحرمة:

(1) الهدايا التي تقدمها المؤسسات؛ مثل الأدوات المكتبية ونحوها، حكمها: أنها من الهبة المباحة المستحب قبولها، ما لم تكن هذه المؤسسة تقوم بأعمال؛ محرمة كالبنوك الربوية، وشـركات الدخان، وما لم تكن هذه الهبات تستعمل في محرم؛ كطفايات السجائر مثلًا.

(2) الهدايا التي يقدمها التجار ترويجًا لسلعهم جائزة، وهي من الهبة المباحة، ولها صور:

منها: أن يجعل هدية لكل مشترٍ؛ سواء كانت من جنس السلعة أو من غيرها[30].

ومنها: أن يجعل هدية إذا اشترى كمية معينة من السلع.

قلت: وسواء كان المشتري موعودًا بالهبة قبل الشـراء، أو منحت له في أثناء الشـراء، وسواء كانت الهبة سلعة معينة، أو خدمة تقدمها له الشـركة[31].

(3) وأما ما يفعله بعض التجار من ترويج سلعتهم بإعطاء المشتري بطاقة بها صورة معينة يكملها بالملصقات التي تخرج لهم من هذه السلع؛ فإن هذا النوع حرام لا يجوز، وذلك لما فيه من التغرير بتبذير المال، وحمل الناس على شـراء ما لا حاجة لهم به إلا تحصـيل ما يتمون به البطاقات، وفيه كذلك نوع من الميسـر والقمار؛ لأنه قد يحصل ذلك فيغنم، وقد لا يحصله فيغرم، وقد أفتى الشـيخ ابن عثيمين بحرمة ذلك[32].

هدايا العمال:

لا يجوز للمرء إذا خوِّل إليه عمل أن يقبل فيه هدية؛ لأن ذلك من الرشوة المحرمة، وهي من الخيانة والغلول، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقال النبي ﷺ: «فهلا جلس في بيت أبيه -أو بيت أمه- فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسـى بيده، لا يأخذ أحد منكم شـيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته»[33].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله ﷺ الراشـي والمرتشـي[34].

وعلى هذا فيحرم ما يأخذه الموظفون في الدوائر الحكومية أو غيرها لتسهيل مطالب الناس، وما يأخذونه على ذلك رشوة، وسواء كانت الهدية المقدمة له عينية، أو منفعة، أو كانت معنوية؛ كأن يقدم العميل خدمة للموظف يحتاجها.

وأما صاحب الحق فالأصل أنه لا يجوز له بذل هذه الرشوة لهذا الموظف الذي يأكل السحت، لكن إن منعه الموظف حقه، وكان لا يستطيع الوصول لحقه إلا ببذل هذه (الرشوة) له، جاز له ذلك، ما لم يكن هناك تعدٍّ على حقوق الآخرين، والإثم في هذه الحالة يقع على الموظف فقط.

وكذلك لا يجوز لمندوبي المبيعات أن يأخذوا شـيئًا من التجار الذين يشترون منهم؛ لأن ذلك رشوة، ومن أخذ من ذلك شـيئًا فعليه أن يرده على من أهداه إليه، فإن لم يتمكن من ذلك فإنه يعطيها للجهة التي يعمل فيها؛ لأنها في الحقيقة سبب الهدية، والهدية إذا كان لها سبب ألحقت به؛ لأن عقود التمليكات تعتبر فيها الأسباب.

تنبيه: لكن إذا كان بين هذا الموظف وبين العميل تواد قبل تولي وظيفته، وكان يهديه قبل ذلك للمودة التي بينهما، جاز له قبول الهدية؛ إذا كان مقصودهم استمرار المودة، ولا علاقة لها بالوظيفة، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة