ينبغي للمؤذن أن يحسن النية في أذانه، وذلك بأن يحتسب أذانه ولا يتخذ عليه أجرًا؛ فعن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»[1]. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وأما الجَعالة: بأن قال: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، بدون عقد وإلزام، فهذه جائزة؛ لأنه لا إلزام فيها، فهي كالمكافأة لمن أذن، ولا بأس بالمكافأة لمن أذن)[2]. وقال: (لا يحرم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال، وهو ما يعرف في وقتنا بالراتب؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين)[3].
(2) أن يكون مسلمًا عاقلًا ذكرًا:
قال ابن قدامة رحمه الله: (لا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل ذكر)[4]، وعلى هذا فلا يصح الأذان من مُسَجِّل (مذياع)، كما هو الحال في بعض الدول؛ يكتفون بوضع مسجِّل يسمعون من خلاله الأذان دون أن يؤذن بالمسجد مؤذن.
[أفتت اللجنة الدائمة أنه لا يكفي عن إنشاء الأذان عند دخول الوقت إعلانه بآلة التسجيل (السعيدان 33)، و(فقه النوازل 2/173)].
قال شـيخ الإسلام رحمه الله: (وفي إجزاء الأذان من الفاسق روايتان؛ أقواها عدمه؛ لمخالفته لأمر النبي ﷺ)[5].
ويصح أذان الأعمى؛ لقوله ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشـربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، قال ابن عمر: وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت[6]. ولذا فينبغي أن يكون معه مبصـر يعلمه بدخول الوقت؛ قال البخاري رحمه الله: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.
يرى بعض العلماء صحة أذانه؛ لأن الأذان ذِكْر لا يحتاج إلى بلوغ.
ومنعه آخرون؛ لأنه لا يُعتمد عليه ولا يُوثق بقوله. وقال بعضهم: إذا كان معه غيره فلا بأس، وإن لم يكن معه غيره فلا يعتمد عليه.
قال ابن تيمية رحمه الله: (والأشبه أن الأذان الذي يُسقِط الفرض عن أهل القرية ويُعتمَد في وقت الصلاة والصـيام، لا يجوز أن يباشـره هو قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض ولا يعتد به في مواقيت الصلاة، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصـر ونحو ذلك، فهذا فيه روايتان، والصحيح جوازه)[8]. ويستفاد من ذلك أنه إذا كثرت المساجد، وأذن المؤذنون البالغون فيها، وأذن صبيان مميزون في بعضها أن أذانهم صحيح.
(4) يستحب للمؤذن أن يكون صيِّـتًا[9] حسن الصوت؛
لأن النبي ﷺ اختار أبا محذورة للأذان؛ لأنه كان صيِّـتًا، وتقدم في حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ قال له: «ألقه على بلال؛ فإنه أندى منك صوتًا». وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أذِّنْ أذانًا سمحًا والا فاعتزل[10]. وسبب قوله ذلك فيما رواه ابن أبي شـيبة أن مؤذنًا أذن فطَرب في أذانه.
قلت: وعلى ذلك فما يفعله كثير من المؤذنين مما يسمونه (الأذان السلطاني) وما فيه من التطريب واللحن ليس من السنة في شـيء، بل هو من البدع المنكرة.
ولو كان منفردًا في الصحراء؛ لما تقدم عن عبد الله ابن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري قال له: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شـيء إلا شهد له يوم القيامة» الحديث[11].
(6) أن يلتفت برأسه وعنقه يمينًا وشمالًا في الحيعلتين:
قال ابن خزيمة رحمه الله: باب انحراف المؤذن عند قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) بفمه لا ببدنه كله؛ فعن أبي جحيفة أنه رأى بلالًا يؤذن، فجعلت أتتبع فاه، ههنا وههنا يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح[12].
زاد ابن خزيمة: «ويُحَرِّف رأسه يمينًا وشمالًا»، وعند الترمذي: «يؤذن ويدور»، وعند أبي داود: «ولم يستدر»[13].
ولذلك اختلف العلماء هل المقصود الاستدارة بالرأس فقط، أم الاستدارة بالجسد كله، والظاهر إدارة الرأس فقط كما هو في رواية ابن خزيمة السابقة.
قال الحافظ رحمه الله: (ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس، ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله)[14]. قلت: هذا على فرض ثبوت رواية أبي داود في نفي الاستدارة، لكنها رواية ضعيفة، وعليه فيرجح القول بالاستدارة.
كما اختلفوا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة وفي الثانيتين مرة؛ أي يقول: «حي على الصلاة» (مرتين) جهة اليمين، ثم «حي على الفلاح» (مرتين) جهة الشمال؟ أو يقول: «حي على الصلاة» جهة اليمين مرة وجهة الشمال مرة، ثم «حي على الفلاح» جهة اليمين مرة وجهة الشمال أخرى؟ أو يقول: «حي على الصلاة» ويلتفت يمينًا وشمالًا في أثناء ترديدها، ثم يقولها مرة ثانية كذلك، ثم يقول: «حي على الفلاح» كذلك، ثم يكررها كذلك؟
قلت: والأرجح في ذلك الصفة الأخيرة؛ لما ورد في إحدى روايات ابن خزيمة: «فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمينًا وشمالًا بحي على الفلاح»[15]، فتكون هذه الصفة أرجح الصفات لورودها في الخبر. وذلك بأن يحرف رأسه يمينًا وشمالًا في كل واحدة.
(7) يستحب وضع إصبعيه في أذنيه؛
لأنه ورد في إحدى روايات الحديث السابق: «رأيت بلالًا يؤذن ويدور، وأتتبع فاه ههنا وههنا إصبعاه في أذنيه»[16].
إحداهما: أنه قد يكون أرفعَ لصوته.
ثانيتهما: أنه علامة للمؤذن؛ ليعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن.
قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا على أن من السنة أن يستقبل القبلة بالأذان، وذلك أن مؤذني رسول الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة)[17]، ومن ذلك ما رواه السـراج في (مسنده) عن مجمع بن يحيى قال: «كنت مع أبي أمامة بن سهل وهو مستقبل المؤذن، فكبر المؤذن وهو مستقبل القبلة»[18]. فإن أخل باستقبال القبلة، كره له ذلك، وصح أذانه.
يستحب أن يكون المؤذن على طهارة كاملة من الحدث والجنابة، لكنه إن أذن على غير طهارة فأذانه صحيح؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه[19].
قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائمًا، وانفرد أبو ثور فقال: يؤذن جالسًا من غير علة)[20]، وفي حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لبلال: «قم فأذن»، وكان مؤذنو رسول الله ﷺ يؤذنون قيامًا.
فإن كان له عذر فلا بأس أن يؤذن قاعدًا[21]، فإن لم يكن له عذر كره له ذلك وصح أذانه. ويجوز للمسافر الأذان راكبًا؛ وقد ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير فينزل فيقيم[22].
(11) يستحب أن يؤذن على مكان مرتفع؛
وذلك لما رواه أبو داود عن امرأة من بني النجار قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلالٌ يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن»[23]. قال الشـيخ ابن عثيمين: (ولا فرق بين أن يكون العلو بذات المؤذن، أو بصوت المؤذن؛ كما هو الموجود الآن بمكبرات الصوت)[24].
أفتت اللجنة الدائمة بصحة الأذان في المكبرات الصوتية الحديثة لأنه أبلغ في الإعلام (السعيدان 33).