تنقسم الجناية على النفس إلى: القتل العمد، وشبه العمد، والخطأ:
أولًا: القتل العمد:
معناه: أن يقصد مَن يَعلَمُه آدميًّا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته به. ومن خلال هذا التعريف يمكننا أن نقول: لا يكون القتل عمدًا إلا إذا تحقق فيه ما يلي:
(أ) القصد: خرج به من قتل خطأ، وخرج به المجنون؛ لأنه لا قصد له.
(ب) أن يعلمه آدميًّا: فلو رأى سوادًا فظنه ذئبًا مثلًا، فألقاه بشـيء فقتله، فإذا هو آدمي، فلا يكون ذلك عمدًا.
(ج) أن يكون معصومًا: ومعصومو الدم هم: المسلم، والذمي، والمستأمن، والمعاهد[1].
(د) أن يقتله بما يَغلِب على الظن القتلُ به: سواء كان محددًا كالسـيف والسكين، أو غير محدد كأن يلقي عليه حجرًا كبيرًا.
ويتفرع على ذلك ما يلي:
(1) إذا ضـربه بعصا صغيرة فمات، فهذا لا يكون عمدًا؛ لأن هذه العصا لا يغلب على الظن القتل بها.
(2) إذا اجتمعت أسباب الجناية، لكن المجني عليه لم يمت، بل تداوى؛ فلا يحكم بالقتل عمدًا؛ لأنه لم يحصل القتل.
(3) إذا جرحه بشـيء ينفذ في البدن فمات؛ فإن كان في موضع يموت به كان ذلك عمدًا، كأن يطعنه بإبرة في قلبه، وأما إن كان في موضع لا يموت به، فهو شبه عمد؛ كأن يطعنه بها في يده فيموت.
(4) اعلم أن من العمد أن يسقيه سمًّا، أو يلقيه في ماء فيغرق، أو في نار فيموت.
ثانيًا: القتل شبه العمد:
هو أن يقصد آدميًا معصومًا فيقتله بما لا يغلب على الظن الموت به.
وذلك مثل ضـربه بحجر خفيف، أو لكمه باليد، أو عصا صغيرة فيموت، بشـرط ألا يوالي بين الضـربات، ولا يكون الضـرب في مقتل، ولا يكون المضـروب صغيرًا أو ضعيفًا.
ثالثًا: القتل الخطأ:
هو القتل الحادث بغير قصد الاعتداء، لا للفعل، ولا للشخص؛ وذلك مثل: أن يرمي صـيدًا أو هدفًا فتنحرف يده؛ فيصـيب إنسانًا فيقتله، فهذا لم يقصد الاعتداء بفعله، ومثل: أن يرى سوادًا فيظنه ذئبًا فيقتله، فهذا لم يقصد الاعتداء على الشخص.
ترجيح التقسيم الثلاثي للقتل:
(1) تقسـيم القتل إلى: عمد، وشبه عمد، وخطأ هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقد ثبتت أدلة العمد والخطأ في الكتاب والسنة، وأما شبه العمد فثبتت أدلته في السنة فقط.
فأما دليل القتل العمد: فقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:93].
وأما دليل القتل الخطأ: فقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾ [النساء:92].
وأما دليل القتل شبه العمد: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضـى النبي ﷺ أن دية جنينها غُرَّة: عبد أو وليدة، وقضـى بدية المرأة على عاقلتها»[2].
فأوجب النبي ﷺ الدية على العاقلة، ومعلوم أن العاقلة لا تحمل دية العمد، (وسـيأتي بيان معنى العاقلة إن شاء الله)، وهذا القتل ليس خطأ، فثبت وجود قسم ثالث غير العمد والخطأ، وهو شبه العمد.
(2) هذا التقسـيم السابق هو الراجح، وخالف المالكية، فقسموا القتل إلى عمد وخطأ فقط، وحجتهم أن شبه العمد غير وارد في القرآن، والحديث السابق حجة عليهم.
وخالف كذلك الحنفية؛ فزادوا قسمين آخرين وهما: ما أجري مجرى الخطأ؛ كانقلاب نائم على آخر فيقتله، والقتل بالتسبب، أي: أنه يتسبب ولا يباشـر القتل؛ كمن حفر بئرًا في غير ملكه فوقع فيه إنسان فمات.
قلت: والصحيح أن هذين القسمين يندرجان تحت قسم الخطأ.