لعقد الزواج ركنان، وهما:
ويشترط خلوهما من الموانع، فلا يكون بينهما مانع من الزواج بسبب نسب أو مصاهرة أو رضاع[1]، ومن الموانع كذلك أن تكون المرأة معتدة من طلاق أو وفاة[2].
وهو الإيجاب والقبول. والمقصود بالإيجاب: اللفظ الصادر من (الولي) أو (من يقوم مقامه)؛ كأن يقول: (زوجتك ابنتي)، والمراد بالقبول: اللفظ الصادر من (الزوج) أو (من يقوم مقامه) كأن يقول: (قبلت). وبهذا يتم هذا العقد، وقد سماه الله ميثاقًا غليظًا.
أحكام وفروع في عقد النكاح وصيغته
(1) الذي (يقوم مقام الولي) هو (وكيله)، بأن يقول له: وكلتك أن تزوج ابنتي، أو أختي مثلًا، وفي هذه الحالة يقول الوكيل في الصـيغة: زوجتك ابنة موكلي فلان[3] -ويذكره- فلانة (ويذكرها بالاسم أو بالوصف كما سـيأتي)[4]، ويلاحظ هنا أنه لا بد أن يذكر في الصـيغة الوكالة؛ فلا يكفي أن يقول: زوجتك فلانة، بل لا بد أن يقول: ابنة موكلي (فلان): فلانة.
وكذلك يجوز للزوج أن يوكل عنه من يتولى عقد النكاح، فيقول الموكل: قبلت زواج (ابنتك فلانة) لموكلي فلان (ويذكره).
(2) اشترط بعض الفقهاء أن تكون صـيغة العقد بلفظ التزويج أو الإنكاح؛ بأن يقول: (زوجتك أو أنكحتك)، أي أنه لا يصح بأي لفظ آخر، والراجح أن هذا لا يشترط، بل كل ما أطلق عليه النكاح عرفًا، ودل اللفظ لفظه على موافقة الطرفين، فإنه يقع به عقد النكاح، (وإن كان الأولى أن يكون بلفظ التزويج والإنكاح خاصة لمن يحسن العربية).
ومن أدلة ما تقدم من القرآن قوله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء:2]، ولم يقيد ذلك بلفظ الإنكاح أو التزويج، بل ترك ذلك بدون قيد.
ومما يدل على ذلك من السنة «أن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها»، فكانت زوجة بلفظ: «أعتقتك وجعلت عتقك صداقك»، فهذا اللفظ يدل على أنه أراد الزواج[5].
(3) إن كانا لا يحسنان العربية فإنه يصح العقد بلغتهم بما يدل على مقصود الزواج، ويشترط في ذلك أن يحسن الشاهدان لغتهما.
(4) إذا كان الولي أو الزوج أخرس، فإن الإشارة المفهمة، أو الكتابة إن كان يحسنها؛ تقومان مقام الكلام، فإن كان لا يحسن الكتابة، أو كانت إشارته غير مفهمة، انتقلت الولاية إلى غيره.
(5) لو انعكست الصـيغة؛ بأن قال الزوج: زوجني ابنتك، فقال الولي: زوجتك ابنتي، ولم يقل الزوج: قبلت، فالراجح صحة العقد، وخالف في ذلك بعض العلماء فلم يجيزوا هذا العقد، و(دليل) صحته ما ثبت في حديث الواهبة أن رجلًا قال للنبي ﷺ زوجنيها، فقال ﷺ: «زوجتكها بما معك من القرآن»، ولم يثبت أن الرجل قال: قبلت.
(6) اشترط العلماء أن يكون القبول متصلًا بمجلس العقد مباشـرة، فإذا تشاغل الزوج بما يدل على عدم الاتصال، أو قام وترك المجلس ثم عاد، أو جن، أو أغمي عليه قبل أن ينطق بالقبول؛ فإن العقد لا يصح، ويجب إعادة الإيجاب مرة أخرى ليتحقق شـرط الاتصال.
(7) من الجهل والخطأ تشاؤم بعض الناس ببعض الأمور في أثناء صـيغة العقد؛ مثل تشبيك الأصابع أو فرقعة الإصبع ظنًّا منهم أن ذلك يؤثر في حياة الزوجين.
(8) وضع المنديل في أثناء صـيغة العقد، ومصافحة الولي مع الزوج بهيئة معينة في أثناء الصـيغة؛ لا دليل عليه، بل لا تشترط المصافحة أصلًا.
(9) ليس هناك محظور من عقد الزواج أو البناء في أي يوم أو في أي شهر؛ وأما ما يعتقده العوام من عدم صحة ذلك يوم الأحد، أو بمنع ذلك في شهر المحرم أو في شهر رمضان، فكل ذلك لا دليل عليه.
(10) اعلم أن عقد النكاح ميثاق غليظ، فلا يجوز التلاعب به، وإبرام العقد على صورة غير حقيقية للحصول على غرضٍ ما، كما يفعله بعض المغتربين من أجل الحصول على جنسـيات[6]، وكما يفعله الممثلون والممثلات كذبًا وزورًا في أفلامهم ومسـرحياتهم للقيام بأدوارهم.
(11) يصح عقد النكاح على المرأة إذا كانت حائضًا، بل ويصح أن تزف إليه، لكنه يحرم عليه في هذه الحالة وطؤها حتى تطهر.
(12) يباح عقد النكاح في المسجد مع مراعاة الآداب الشـرعية، علمًا بأن العقد في المسجد ليس له فضـيلة تخصه؛ لأنه لم يرد في ذلك دليل، واعتقاد أن ذلك من السنة: بدعة من البدع[7]، وأما الحديث: «أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد» فهو حديث ضعيف[8].
(13) هل يجوز تقديم القبول على الإيجاب؟ كأن يقول الزوج: قبلت هذا الزواج، أو يقول: زوجني ابنتك، فيقول الولي: زوجتك ابنتي؟ رجح الشـيخ ابن عثيمين صحته، باعتبار أن العبرة في العقود: بالعرف الخاص؛ مستدلًّا بقوله ﷺ للرجل: «زوجتكها بما معك من القرآن»، ولم يثبت أن الرجل قال: قبلت. قال الشـيخ رحمه الله: (فهذا دليل على أنه لو قدم القبول على وجه يتضح به فإنه يصح، كما لو قال ذلك بلفظ الطلب فقال: زوجني، قال: زوجتك)[9].
(14) اعلم أن صـيغة العقد يكفي فيها: لفظ الإيجاب مع تعيين الزوجة؛ فإذا قال: زوجتك ابنتي فلانة، فقال: قبلت، فهذا وحده يكفي، فإن سمى المهر في أثناء العقد فهو أفضل، لكنه ليس بشـرط.
(15) واعلم أنه لا يشترط أن يلقنه المأذون الصـيغة، بل متى جاء بها الطرفان على الوجه الصحيح، فالعقد صحيح، فإن لقنهما فلا بأس.
(16) وبناءً علىه؛ فلا يشترط أن يقول: على كتاب الله وسنة رسوله، فإن قالها فلا بأس.
(17) من الأخطاء في عقد الزواج اشتراط كونه على أحد المذاهب، فهذا كلام ما أنزل الله به من سلطان، والعقد صحيح، وهذا الشـرط لا يصح.
(18) تسجيل عقود الزواج في الوثائق الحكومية عمل حسن، وهو من المصالح المرسلة، وبه تحفظ الحقوق؛ من المصاهرة والنسب والميراث، والمهر والنفقة، وغير ذلك.
(19) المأذون نائب السلطان في عقود الأنكحة، ولذا فيصح أن نعده وليًّا للمرأة إذا لم يكن لها وليٌّ، ويجوز لمأذون الأنكحة أن يأخذ ما يبذل له من مال؛ سواء كان بطلب منه أو بدون طلب، إذا كان لا يتقاضـى مرتبًا من الدولة[10].
(20) ترى اللجنة الدائمة عدم الاعتداد بعقود النكاح عن طريق الهاتف؛ خشـية الخداع والتغرير وتقليد الأصوات، وذلك حفظًا للأعراض والفروج[11].
قلت: وبناءً على ذلك فإذا أمنت هذه المفاسد صح العقد عن طريق الهاتف، ويجب التحقق التام الذي ليس فيه أدنى لبس أو ريب من عدم الخداع والتغرير ونحو ذلك، والأولى عدم استخدام هذه الوسائل إلا في الضـرورة القصوى.