نجاسة الميتة
وهي كل ما مات دون تذكية، والدليل على نجاسة الميتة ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تُصُدِّق على مَوْلاةٍ لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة، فقال: «إنما حَرُم أكلها»[1]. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «أيُّما إهاب دُبغ فقد طَهُر»[2]. فدل ذلك على أن الأصل في الميتة النجاسة، وأن تطهير جلدها يكون بالدباغ. ومعنى: «الإهاب»: الجلد قبل الدبغ. وقيل الجلد مطلقًا.
(أ) إذا قطع من البهيمة شـيء قبل ذبحه فهو ميتة:
فعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة»[3]. فعلى هذا ما يُقطع من سنام الجمل، أو ألية الضأن، أو ما يفعله بعض من يتولون الذبح في المذابح العامة من قطع أذن، أو بَتْر قدم ونحوه يدخل في حكم الميتة؛ فلا يحل أكله، وهو نجس.
(ب) الحيوان غير مأكول اللحم:
حكمه حكم الميتة حتى لو ذُكِّى بالذبح؛ إذ من شـروط صحة التذكية: حِلُّ المذكى؛ ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما أمسـى اليوم الذي فُتِحت عليهم فيه خيبر أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ: «ما هذه النار، على أي شـيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: على لحم الحمر الإنسـية، فقال: «أهريقوها واكسـروها»، فقال رجل: يا رسول الله، أوْ نهريقها ونغسلها، فقال: «أوْ ذاك»[4].
فهذا الحديث يستدل به على نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل وإن ذُكِّي؛ لأن الأمر بكسـر الآنية أولًا ثم الغسل ثانيًا يدلان على النجاسة. وفي بعض الروايات التصـريح بنجاستها؛ وذلك قوله: «إنها رجس»[5].
(1) ميتة السمك والجراد:
فإنهما طاهرتان لحلهما، ومما يدل على حل ميتة البحر قوله فيه: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»[6]. وعلى هذا فتباح ميتة البحر على أي حالة وجدت؛ طافية كانت أو غير طافية، وسواء كانت بفعل آدمي، أو قذف بها البحر، أو نحو ذلك.
وأما الدليل على حل الجراد: فعن ابن أبي أوفى قال: «غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات أو ستًّا نأكل معه الجراد»[7]. قال الحافظ: (وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية)[8].
(2) عظم الميتة وشَعَرها وقرنها وظُفُرها ونحو ذلك عدا الجلد:
طاهر؛ إذ لا دليل على نجاسته، وهذا ما رجحه شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى قال: (وهذا قول جمهور السلف)[9]، قال الزهري رحمه الله في عظام الموتى - نحوِ الفيل وغيره -: (أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون)[10].
(3) وأما جلد الميتة:
فإنه نجس، لكنه يطهر بالدباغ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟»، الحديث[11]. وعنه أيضًا قال ﷺ: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»[12]. وتقدم أن معنى «الإهاب»: الجلد قبل الدبغ.
مسألة: هل يُطهِّر الدباغ كل الجلود؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الدباغ يطهر كل الجلود حتى جلد الكلب والخنزير لعموم قوله: «أيما» لأن (أي) من صـيغ العموم، ورجح ذلك الشوكاني والصنعاني. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي، واستثنى الحنفية جلد الخنزير، واستثنى الشافعي الكلب والخنزير.
ويرى آخرون أن ما كانت تحله الذكاة (الذبح)، فإن جلد ميتته يطهر بالدباغ، وعلى هذا فلا يطهر إلا جلد ميتة مأكول اللحم فقط إذا دبغ، ودليلهم ما ورد في بعض ألفاظ الحديث «ذكاتها دباغها»[13]، فالدبغ إذًا لجلد الميتة بمنزلة الذكاة للحيوان. وهذا القول رجحه الشـيخ ابن عثيمين في الشـرح الممتع ورجحه شـيخ الإسلام في الفتاوى[14]، وهو قول الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق ابن راهويه وأبي ثور.
(4) وأما لبن الميتة وإنفحتها:
فقد قال ابن تيمية رحمه الله: (والأظهر أن إنفحة الميتة ولبنها طاهر؛ وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم)[15]. و«الإنفحة»: شـيء أصفر يخرج من بطن الحيوان، يعصـر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ[16].
(5) ميتة ما لا نفس له سائلة:
والمراد الذي لا يسـيل له دم إذا مات، أو جُرح كالذباب، والجراد، والعقرب؛ فهذه لا تنجس بموتها، واستدل العلماء على ذلك بما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وقع الذباب في شـراب أحدكم فليَغْمِسْه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً»[17]، فلم يأمر بإراقة الشـراب، ومعلوم أنه لو كان ينجسه لأمر بإراقته، والله أعلم.