أولًا: الإطعام:
قال الله تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة:89]، ويتعلق بذلك ما يلي:
(1) عدد المساكين:
نصت الآية على إطعام عشـرة مساكين، فالراجح أنه لا بد أن يراعى العدد، كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وقد ذهب أبو حنيفة إلى جواز أن يطعم مسكينًا واحدًا عشـرة أيام، والراجح قول الشافعي وأحمد؛ لظاهر النص.
(2) مقدار الطعام ونوعه:
اختلف العلماء في تقدير الطعام؛ هل هو مقدر أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه مقدر بالشـرع، ثم اختلفوا في هذا التقدير، فيرى أبو حنيفة أنه صاع من تمر، أو شعير، أو دقيق، أو نصف صاع من قمح، ومذهب الشافعي أنه يجزئ المد، وهو قول الحنابلة.
وأما الإمام مالك فقد ذهب إلى أن الإطعام غير مقدر بالشـرع، بل يرجع فيه إلى العرف، وهو قول ابن حزم، واختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الأرجح؛ لأن الله أطلق الإطعام ولم يقدره. قال ابن تيمية: (والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس وعادتهم، فقد يجزئ في بلد ما أوجبه أبو حنيفة، وفي بلد ما أوجبه أحمد، وفي بلد آخر ما بين هذا وهذا على حسب عادته؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾)[1].
(3) هل المقصود تمليك الطعام للفقير أو تحقيق الإطعام بالفعل؟
ذهب الجمهور: (المالكية، والشافعية، والحنابلة) إلى أنه لا بد من تمليك الطعام للفقراء؛ لأنه مال وجب للفقراء فوجب تمليكهم إياه كالزكاة، وعلى هذا فلا يجزئ لو غداهم أو عشاهم.
وذهب الحنفية -ورواية عن مالك ورواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية ونقله عن أكثر السلف- إلى أنه يجزئه أن يطعمهم بأي وجه كان؛ لأن المقصود حقيقة الإطعام وهو إباحته لهم، وهذا يجزئ بالتملك، ويجزئ كذلك بأن يغديهم أو يعشـيهم، وهذا القول هو الأرجح؛ لأن لفظ (إطعام) في الآية مطلق، لم يقيد بالتمليك.
تنبيه: الراجح في ذلك أنه يجزئه وجبة واحدة، وكذلك إذا أخرج الطعام (قوتًا) فيجزئه ما يكفي وجبة واحدة.
(4) هل تجزئ القيمة؟
لا يجوز عند جمهور العلماء إخراج قيمة الطعام والكسوة؛ عملًا بنص الآية: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ ، وخالف الحنفية؛ فأجازوا إخراج القيمة، والراجح قول الجمهور[2].
(5) المدفوع إليهم الطعام:
يدفع الطعام لمن توفرت فيهم الشـروط الآتية:
(أ) أن يكونوا مساكين: فلا يدفع لغيرهم، ولفظ المسكين عام يشمل (الفقير) و(المسكين)، إذ المقصود المحتاجون؛ سواء كان احتياجهم ظاهرًا، أو غير ظاهر.
(ب) أن يكونوا مسلمين: وهذا هو قول الجمهور، وأجاز الحنفية والظاهرية دفعه إلى الذمي؛ لدخوله في اسم المساكين، والآية لم تنص على تخصـيصه بالإسلام.
(جـ) أن يكونوا ممن يأكل الطعام:
القول الأول: لا يجوز دفعها لطفل لم يطعم، وهذا مذهب المالكية وهو قول لأبي حنيفة ورواية عن أحمد[3]؛ وذلك باعتبار أن الطعام إباحة لهم لكي يطعموه.
القول الثاني: يجوز دفعها له، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وقول لأبي حنيفة[4]، وهذا قول أكثر الفقهاء، وذلك باعتبار أن الطعام تمليك لهم.
والراجح هو القول الأول؛ لأن المقصود سد الحاجة والجوع بالطعام، فإذا كان لم يطعم فلا حاجة له في ذلك.
ويمكن ترجيح القول الثاني بأن يقال: يطعم هذ الصغير بما يناسبه لأن لفظ (الطعام) يدخل فيه الشـراب؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ [البقرة:249]، وحديث زمزم: «إنها طعام طعم»، والصغير الذي لم يطعم يمكن أن يشـرب ما يقوم مقام الطعام؛ من اللبن ونحوه، والله أعلم.