حجم الخط:

أولًا: الإقرار:

بأن يقر البالغ العاقل بوقوع الزنا منه، ويكون إقراره وهو مختار غير مكره، ويتعلق بذلك ما يلي:

(1) هل يشترط تعدد الإقرار؟

الراجح لا يشترط، فيكفي إقراره مرة واحدة، وهذا مذهب المالكية والشافعية؛ لقوله ﷺ: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها»[1]، وكذلك في حديث الغامدية وقد جاءت مقرة بالزنا، ولم يكرر عليها الإقرار.

وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الإقرار لا بد أن يكون أربع مرات، ويشترط الحنفية أنها لا بد أن تكون متفرقة في مجالس متعددة؛ عملًا بحديث ماعز؛ إذ أقر أربع مرات، وفي بعض الروايات أنه كان يخرج من المسجد ثم يعود.

قلت: والراجح ما تقدم أنه يكفي إقراره مرة واحدة، وأما حديث ماعز فإن النبي ﷺ أراد أن يتحقق من عدم وجود شبهة عنده؛ لأن الحد يدرأ بالشبهة.

(2) لا بد أن يكون الإقرار أمام القاضـي:

فإذا شهد شهود أنه أقر فإنه لا تقبل هذه الشهادة، بل لا بد أن يأتي بنفسه ويقر أمامه.

(3) الإقرار حجة على المقر فقط:

فإذا أقر رجل أنه زنا بامرأة، وأنكرت هي، أقيم الحد عليه دونها؛ ففي الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه «أن رجلًا أقر أنه زنا بامرأة، فبعث النبي ﷺ إليها، فجحدت، فحد الرجل»[2].

وهذا دليل على أنه لا يقام عليه إلا حد الزنا فقط، وهذا مذهب المالكية والشافعية، خلافًا لمن يقول: يسقط عنه الحد وهو مذهب الحنفية، ولمن يقول: يحد حدين: الزنا والقذف، ولأنه لا يلزم من أقر بالزنا حد القذف إذا قال: زنيت بفلانة، لأن النبي ﷺ طلب من ماعز تعيين من زنى بها فعينها ثم لم يحده للقذف.

(4) لا بد أن يتحقق القاضـي أنه صحيح العقل:

ليس به خبل، أو جنون، أو سكر، وأن يتحقق هل هو محصن أم أو لا؟ حتى يقيم عليه الحد.

ولا بد كذلك أن يستثبت القاضـي من حقيقة الإقرار قبل إقامة الحد؛ لأنه ربما كان المقر لا يعرف حقيقة الزنا، ولذلك فإن النبي ﷺ قال لماعز: «لعلك قبلت أو غمزت؟» قال: لا، قال: «أنكتها» لا يكني[3]؛ لأن الأمر يحتاج إلى تصـريح لا غموض فيه.

(5) إذا رجع عن الإقرار بعد الحكم:

أو قبله، أو هرب في أثناء الحد، فإنه يسقط عنه الحد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأن ماعزًا عندما أقاموا الحد عليه هرب فاتبعوه، فقال ﷺ: «هلا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه؟»[4].

وهو مذهب المالكية أيضًا، إلا أن عندهم قول أنه لا يعذر في إقراره إلا لشبهة.

ويرى الظاهرية أنه لا يقبل رجوعه بعد إقراره؛ لأنه شهد على نفسه، وصدق وصفه بالذنب بإقرار؛ فلا يمكن أن يرفع عنه هذا الوصف.

ومن الأدلة أيضًا أن النبي ﷺ قال: «اذهب يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها» ولم يقل: إلا أن ترجع عن اعترافها، وأما هرب ماعز فلم يكن رجوعًا عن الإقرار، ولكنه هرب عن الحد عندما مس ألمه، وفي قوله ﷺ: «هلا تركتموه، لعله أن يتوب» دليل على أنه ما زال موصوفًا بالذنب، ولكن يستدل به على أن المقر لو طلب ترك إقامة الحد وأن يجعل توبته بينه وبين الله، فلهم أن يقبلوا ذلك منه، وهذا ترجيح الشـيخ ابن عثيمين[5].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة