الثانية عشـرة: النهي عن بيعتين في بيعة:
ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة»[1]. وقد فسـر ذلك سماك فقال: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسأ -يعني: بأجل- بكذا، وهو بنقد (حال) بكذا، وهذا كما هو معلوم الآن؛ أن يكتب على السلعة: بسعر كذا (كاش) وبسعر كذا (قسط).
لكن هذه الصورة المذكورة تحرم إذا تم البيع دون الاتفاق على أحد الشـيئين (نقدًا أم قسطًا)، وأما إذا اتفقا على إحدى الصورتين، فيكون البيع جائزًا، وتكون قبل الاتفاق مساومة على البيع وليست بيعًا. قال ابن القيم رحمه الله: (وأبعدَ كلَّ البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسـين حالة، وليس هاهنا ربا، ولا جهالة، ولا غرر، ولا قمار، ولا شـيء من المفاسد؛ فإنه خيَّره بين أي الثمنين شاء)[2]. وشـيخ الإسلام نقل الإجماع على جواز بيع التقسـيط إذا كان قصد المشتري السلعة.
وقد وردت في ذلك بعض الآثار؛ منها في (مصنف ابن أبي شـيبة)[3]:
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «لا بأس أن يقول للسلعة: هي بنقد بكذا، وبنسـيئة بكذا، ولكن لا يفترقان إلا عن رضا».
وعن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن الرجل يشتري من الرجل الشـيء، فيقول: إن كان بنقد، فبكذا، وإن كان إلى أجل، فبكذا، قال: لا بأس إذا انصـرف إلى أحدهما، قال شعبة: فذكرت ذلك للمغيرة، فقال: كان إبراهيم لا يرى بذلك بأسًا إذا تفرق على أحدهما.
ووردت آثار أخرى في مصنف عبد الرزاق[4]: روي عن الزهري وطاوس وابن المسـيب أنهم قالوا: لا بأس بأن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشـرة إلى شهر، أو بعشـرين إلى شهرين، فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه، فلا بأس به.
قلت: والحكم بجواز بيع التقسـيط هو ما ذهب إليه المجمع الفقهي[5].
(1) يشترط في صحة بيع القسط ألا يكون هناك اتفاق على نسبة زيادة تأخير، وألا يكون هناك اتفاق أيضًا على خصم شـيء من السعر إذا تعجل في الدفع.
(2) الطريقة السابقة واضحة، وهو أن يقول البائع: هذه السلعة هي بكذا نقدًا (كاش)، وبنسـيئة بكذا (يعني قسطًا أو إلى أجل)، لكن لا يجوز أن يحدد سعر السلعة مع نسبة فائدة التقسـيط مثل أن يقول: هي بكذا وعليها فائدة (6%)؛ لأن هذا واضح أنه ربط الزيادة بالدين، ولذلك يسمون هذه (فوائد التأخير)، فهذا لا يجوز.
(3) ما يفعله بعض التجار من دفع (كمبيالات)، أو (شـيكات) القسط إلى البنك، بعد خصم مبلغ منها لصالح البنك، حيث إن البنك سـيحصل هذه الشـيكات فيما بعد، لا يجوز؛ لأنه عقد ربوي.
(4) جاء في فتاوى المجمع الفقهي: (إذا تأخر المشتري عن دفع الأقساط، فلا يجوز شـرعًا إلزامه بأية زيادة على الدين، سواء كان بشـرط سابق أو من دون شـرط، لكن يجوز شـرعًا اشتراط المطالبة بجميع الأقساط قبل موعدها إذا تأخر المدين عن أداء بعضها)[6]. اهـ بتصـرف يسـير.