الحكم في نكول المدَّعَى عليه عن اليمين:
في المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: قالوا: ترد اليمين على المدَّعِي، ولا يقضـى له بمجرد نكول المدَّعَى عليه؛ لأنه لما نكل المدَّعَى عليه عن اليمين، قوي جانب المدَّعِي، فكان نكوله بمنزلة الشاهد، ويمين المدَّعِي بمنزله الشاهد الثاني؛ هذا قول الشافعية والمالكية ورأي عند الحنابلة.
القول الثاني: لا ترد اليمين على المدَّعِي، بل يقضـى له بمجرد نكول المدَّعَى عليه، سواء نكل حقيقة؛ بأن قال: لا أحلف، أو حكمًا؛ بأن سكت فلم يحلف، ودليلهم أن النبي ﷺ قال: «البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر»، فلم يوجب إعادة اليمين مرة أخرى، ولأنه إذا نكل عن اليمين كان مقرًّا إقرارًا تقديريًا لصاحب الحق، وهذا مذهب الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة.
القول الثالث: فيه تفصـيل؛ وهو أنه إذا كان المدَّعِي يحيط بالشـيء دون المدَّعَى عليه ردت عليه اليمين، وإن كان العكس لا ترد، فيحكم له بنكول المدَّعَى عليه.
مثلًا: إذا جاء رجل إلى ورثة ميت يدعي عليه فقال: أنا أدعي على مورثكم ألف ريال، فقال الورثة: ليس لك شـيء، فنقول للمدعي: ألك بينة؟ قال: ما عندي بينة، ولكن اجعلهم يحلفون أنه ما في ذمة مورثكم لي شـيء، فقال الورثة: لا نحلف، فهل يحكم عليهم؟ على ظاهر كلام الحنابلة يحكم عليهم، وعلى القول الذي أشـرت إليه يقال للمدعي: هذا الشـيء تحيط به علمًا، والمدَّعَى عليهم لا يحيطون به علمًا، فعليك اليمين)[1]، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال الشـيخ ابن عثيمين: (ولو قال قائل بأن هذا يرجع إلى نظر الحاكم واجتهاده، لا فيما يحيط به المدَّعِي والمدَّعَى عليه علمًا، ولا فيما لا يحيطان به علمًا، فكان هذا له وجه قوي؛ لأن القاضـي قد يعلم من قرائن الأحوال أن المدَّعِي مخطئ فيرى أن رد اليمين عليه متأكد...)[2].