الرجوع في الهبة:
تقدم أن الراجح لزوم الهبة بعد القبض، وأما قبل القبض فهي غير لازمة، ويجوز له -قبل القبض- الرجوع فيها على الصحيح، ولكن إذا لزمت بأن قبضها المتهب بعد إذن الواهب، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»[1].
قال الشـيخ ابن عثيمين: (حتى لو فرض أنه عندما رجع رضـي الموهوب له ولم يبال، فإننا نقول: هذا حرام لا يجوز)[2].
(1) استثنى الفقهاء عطية الوالد لولده؛ لأنهم يرون جواز رجوعه فيها، واستدلوا على ذلك بما ثبت فى الحديث عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، وَمَثلُ الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب؛ يأكل، فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه»[3]، ورجَّح الشـيخ ابن عثيمين أن هذا الحكم خاص بالأب. ويرى المالكية أنه يصح ذلك من الأب قبل القبض فقط، ويرى الشافعية والحنابلة أنه يصح له الرجوع؛ سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده.
والجمهور يخصون هذا الحكم بالأب، وعند الشافعية أنه يجوز للأصل (كالجد) أيضًا الرجوع على الفرع (الأولاد وأولادهم) مطلقًا.
ويرى الفقهاء جواز أخذ الوالد من مال ولده، وجواز تملكه[4] من ماله؛ سواء كان الولد ذكرًا أو أنثى، بشـرط ألا يضـره، فلا يُمكَّن الأب من الإضـرار بولده؛ لأنه «لا ضـرر ولا ضـرار»، وكذلك لا يأخذ ما تتعلق به حاجة الابن، ولو كانت غير ضـرورية، ولا يجوز للأب أن يتصـرف في مال ولده ببيع أو هبة أو نحو ذلك؛ لأنه لم يتملك، فيكون تصـرفه في ملك غيره.
إذا أعطى إنسان لآخر هبة لا ينتظر منه ثوابها[5] وقبضها المتهب، فإنه لا يجوز له الرجوع بحال، أما إذا قصد ثوابها والتعويض مقابلها فلم يتحصل على ذلك، فله الرجوع فيها؛ لما رواه مالك في (الموطأ) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة؛ فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب؛ فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها»[6].
ذكر العلماء موانع تؤكد عدم الرجوع في الهبة، فمن ذلك:
(1) إذا أثيب على الهبة التي كانت للإثابة لا يرجع فيها.
(2) إذا كانت الهبة صلة للأرحام.
(3) إذا كانت الهبة صلة للزوجية، فلا يصح الرجوع في هبة الزوجين.
(4) إذا زاد في الهبة زيادة تتصل بها؛ كأن يهبه أرضًا فيبني عليها المتهب، فلا يصح للواهب الرجوع بعد ذلك، وأما إذا كانت الزيادة غير متصلة كالولد واللبن من الحيوان، والثمرة من الشجر، فلا يمنع الرجوع، ويكون رجوعه فيما وهبه فقط دون الزيادة؛ لأن الزيادة صارت ملكًا للمتهب، وأما إذا نقص الموهوب فلا يمنع من الرجوع في الهبة.
(5) إذا خرج الموهوب عن ملك الموهوب له؛ كأن يكون باعه أو وهبه.
(6) إذا مات أحد المتعاقدين، وقد تقدم ذلك.
(7) إذا استهلك الموهوب بالاستعمال مثلًا؛ لأنه لا سبيل إلى رجوعه؛ لأن قبض الهبة غير مضمون.
اختلف العلماء فيمن أهدي إليه هدية؛ هل يجب عليه قبولها أو لا؟ فذهب فريق من العلماء إلى أن قبولها مستحب غير واجب، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية في مذهب أحمد. وذهب فريق آخر إلى وجوب قبولها، إذا كان من غير مسألة ولا إشـراف نفس، وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد، وقول ابن حزم من الظاهرية. ولكلٍّ من الرأيين أدلته القوية، فالأولى قبولها وعدم ردها إذا كان عن غير مسألة ولا إشـراف نفس.