الصـيغة الأولى: صـيغة القسم الحقيقي:
اتفق العلماء على إباحة القسم بالله، أو بأسمائه؛ كقوله: والله لأفعلن، وربي لأفعلن، والرحمن لأفعلن، وغير ذلك.
كما اتفقوا على إباحة القسم بصفات الله عز وجل؛ كأن يقول: أقسم بوجه الله، أو بحياة الله، أو أقسم بعزة الله، أو أقسم بعظمة الله، وكذلك لو أقسم فقال: «أقسم بمجيء الله يوم القيامة للفصل بين العباد»، كان ذلك قسمًا صحيحًا. ويتعلق بذلك مسائل:
أولًا: الحلف لا يكون إلا بالله:
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يسـير في ركب يحلف بأبيه، فقال ﷺ: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، قال عمر: فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرًا ولا آثِرًا[1]. ومعنى قوله: «فما حلفت بها ذاكرًا» أي: عن ذكر مني وعلم، و«ولا آثرًا» أي: ولا راويًا عن أحد أنه حلف بأبيه.
قلت: وقد دلت الأحاديث على أن من حلف بغير الله فقد أشـرك؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحْلَفُ بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله، فقد أشـرك»[2].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا[3]. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية: (لأن الحلف بغير الله شـرك، والشـرك أعظم من الكذب)[4].
كفارة من حلف بغير الله:
الحلف بغير الله لا تنعقد به اليمين؛ لأنه محرم وشـرك. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية: (الحلف بالمخلوقات؛ كالحلف بالكعبة، والملائكة، والمشايخ، والملوك، والآباء، والسـيف، وغير ذلك مما يحلف به كثير من الناس[5].
فهذه الأيمان لا حرمة لها، بل هي غير منعقدة، ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين، بل من حلف بها فينبغي أن يوحد الله تعالى؛ كما قال النبي ﷺ: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله»[6])[7].
ثانيًا: الحلف بأسماء الله تعالى:
اتفق العلماء على إباحة استعمال الأيمان بأسماء الله تعالى.
(أ) فإن كان الاسم خاصًّا بالله لا يطلق إلا على الله؛ كالله، والرحمن، كان هذا يمينًا بلا خلاف.
(ب) وإن كان الاسم مشتركًا، أي: يطلق على الله وعلى غيره، ولكن عند الإطلاق لا يراد به إلا الله كان يمينًا كذلك، وذلك مثل الخالق؛ لأنه عند الإطلاق ينصـرف إلى الله.
(جـ) وإن كان الاسم مما يسمى به الله تعالى ويسمى به غيره، ولا ينصـرف إليه عند الإطلاق، فهذا القسم إن قصد به اليمين كان يمينًا، وإن لم يقصد به اليمين لم يكن يمينًا، وذلك نحو: الحي، والكريم.
ثالثًا: الحلف بصفات الله تعالى:
يجوز الحلف بصفات الله؛ سواء كانت هذه الصفات ذاتية، أو فعلية.
(أ) فمثال الصفات الذاتية: الحلف بجلال الله وعظمته وعزته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «بينا أيوب يغتسل عريانًا، فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب؛ ألم أكن أغنيتك عن هذا؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك»[8]. وكذلك إذا أقسم بوجه الله فهذا الحلف جائز؛ لأنه قسم بصفة ذاتيه لله.
(ب) ومثال الصفات الفعلية، ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت يمين رسول الله ﷺ: «لا، ومقلب القلوب»[9].
قلت: ومن هذا الباب القسم بقدرة الله، وقوته، وإرادته، ومشـيئته، ورضاه، ومحبته، وكلامه.