العمل سنة الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم:
اعلم -رحمك الله- أن الاحتراف والتكسب قام به خير الخلق، وهم أنبياء اللـه صلوات الله وسلامه عليهم، ثم من بعدهم أصحاب النبي ﷺ، وقد تكاثرت الآيات والأحاديث في بيان ذلك:
قال تعالى عن داود عليه السلام: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾ [الأنبياء:80]، وقال تعالى: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴾ [سبأ:10].
وعن المقدام رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»[1].
وثبت في الحديث أن نبي الله زكريا كان نجارًا[2].
وعمل موسى عليه السلام أجيرًا عشر سنين؛ كما قال الله تعالى حكاية عن الرجل الصالح: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص:27، 28].
وقد تاجر النبي ﷺ في مال خديجة كما هو معلوم من سـيرته ﷺ، وسئل ﷺ: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «وهل من نبي إلا وقد رعاها؟»[3].
وأما ما ورد عن عمل الصحابة رضي الله عنهم فمنه ما يلي:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أصحاب رسول الله ﷺ عُمَّالَ أنفسِهم، فكان يكون لهم أرواح، فقيل لهم: لو اغتسلتم؟»[4]، ومعنى «أرواح» أي: لهم روائح بسبب عملهم وعرقهم.
وعنها رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق قال: «قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسـيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه»[5].
ومعنى الحديث أن أبا بكر كان صاحب حرفة يكتسب منها، فلما ولي الخلافة شغل عن حرفته لأمر المسلمين، ففرض له حاجته من بيت مال المسلمين يأكل منه هو وآله، وقوله: «وأحترف للمسلمين فيه»، أي: أنظر في أمورهم وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم.
وعن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه أنه استأذن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يؤذن له -وكأنه كان مشغولًا- فرجع أبو موسـى... الحديث، وفيه قال عمر رضي الله عنه: «أخفي على هذا[6] من أمر رسول الله ﷺ؟ ألهاني الصفق بالأسواق» يعني: الخروج إلى التجارة[7].
وعن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم عن الصـرف، فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ، فسألناه عن الصـرف، فقال: «إن كان يدًا بيد، فلا بأس، وإن كان نسـيئًا فلا يصلح» [8]. و«الصـرف»: هو مبادلة النقد بالنقد، ويعرف الآن ببيع العملة، وسـيأتي بيان أحكامه في أبواب الربا.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصُّفَّة، أعي حين ينسَوْن، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: «إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضـي مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول»، فبسطت نمرة عليَّ، حتى إذا قضـى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسـيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شـيء[9].
وعن أنس رضي الله عنه قال: «قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن: أقاسمك مالي نصفين وأزوجك، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فما رجع حتى استفضل أقطًا وسمنًا، فأتى به أهل منزله...» الحديث[10].
وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: كنت قينًا في الجاهلية، وكان لي على العاص ابن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، قال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ، فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث، قال: دعني حتى أموت وأبعث، فسأوتي مالًا وولدًا فأقضـيك، فنزلت: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٧٧﴾ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ﴾[11] [مريم:77- 78]. و«القَيْنُ»: الحَدَّاد.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت زينب -يعني بنت جحش رضي الله عنها - امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله»[12].
وغير ذلك من الآثار والأحاديث الدالة على عملهم رضي الله عنهم.