حجم الخط:

المراهنة لنصرة الحق وإظهاره (مراهنة الصديق):

عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله: ﴿ الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4] قال: كان المشـركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر أهل الروم؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر رضي الله عنه فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «أَما إنهم سـيغلبون»، فذكره لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «أَلا جعلت إلى دون العشـر» -قال سعيد: والبِضْع: ما دون العشـر- قال: ثم ظهرت الروم بعد[1].

وقد اختلفت آراء العلماء حول هذه المراهنة:

فقيل: إنما وقعت قبل تحريم القمار، فهي منسوخة، وهذا قول العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، وعارض ذلك ابن القيم بأن آية تحريم القمار كانت في غزوة بني النضـير بعد أحد، وأما غلبة الروم لفارس فكانت عام الحديبية، وهذا يدل على أن الصديق أخذ الرهان بعد تحريم القمار.

وقيل: هذا خاص بما إذا كانت المراهنة بين مسلم وحربي، وهذا ما قاله الحنفية.

والراجح: أن هذه المراهنة محكمة ليست منسوخة، وهو مستثنى من القمار المحرم؛ لأن هذا تحدٍّ من الصديق للمشـركين مع وثوقه بالغلبة، وعلى هذا يحمل حديث مصارعة النبي ﷺ لركانة[2]؛ لأنه تحدٍّ لإظهار أنه مؤيد من الله، ولذلك كانت هذه المصارعة سببًا لإسلامه، وعلى ذلك فيكون أيضًا مما استثني فيه جواز أخذ الجعل، إذا كانت المراهنة من أجل إظهار الحق، وغلبة الدين.

وهاهنا كلام جيد نفيس لابن القيم؛ إذ قال: (وهذه المراهنة من رسول الله ﷺ وصِدِّيقه هي من الجهاد الذي يُظْهِر الله به دينه، ويعزه به، فهي من معنى الثلاثة[3] المستثناة في حديث أبى هريرة، ولكن هذه الثلاثة جنسها لا يعد إلا للجهاد، بخلاف جنس الصـراع، فإنه لم يعد لجهاد، وإنما يصـير مشابهًا للجهاد إذا تضمن نصـرة الحق وإعلانه، كصـراع النبي ركانة.

وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض، وظلم الناس، كانت مذمومة، فالصـراع والسباق بالأقدام ونحوها إذا قصد به نصـر الإسلام كان طاعة، وكان أخذ السبق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل)[4].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة