المسألة الثانية: خير زوجته بين المقام معه أو مفارقته:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه، بدأ بي، فقال: «إني ذاكر لك أمرًا؛ فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمرى أبويك»، قالت: وقد علم أن أبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثم قرأ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿ ٢٨ ﴾ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:28، 29]، فقلت: في هذا أستأمر أبويَّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت، فلم يكن ذلك طلاقًا[1].
ويتعلق بهذه المسألة الأحكام الآتية:
أولًا: تخيـير الزوج لزوجته بين المقام معه ومفارقته، بأن يقول لها: اختاري، أو اختاري نفسك، وهذا التخيير بمجرده لا يعد طلاقًا؛ لا خلاف في ذلك.
ثانيًا: بعد أن يخيرها الزوج، فقد تختار البقاء معه، أو تختار الطلاق:
(أ) فإن اختارت الزوج؛ فالذي عليه معظم أصحاب النبي ﷺ ونساؤه كلهن ومعظم الأئمة، أن من اختارت زوجها لم تطلق، ولا يكون التخيير بمجرده طلاقًا، صح ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة[2]، وصح عن علي، وزيد ابن ثابت، وجماعة من الصحابة أنها إن اختارت زوجها فهي طلقة رجعية.
والراجح القول الأول؛ لأن النبي ﷺ لما اختاره أزواجه لم يقل لهن: وقع لكن طلقة، ولم يثبت أنه راجعهن، بمعنى أنه لم يكن ثَمَّ طلاق ليحتاج إلى رجعة، ولذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول: «خيرنا رسول الله ﷺ، أفكان طلاقًا؟!»[3]، وفي رواية: «ولم يكن ذلك طلاقًا».
(ب) وأما إن اختارت نفسها؛ بأن تقول: اخترت نفسـي، فهل يقع بذلك طلاق أو لا؟
اتفق الصحابة على وقوع الطلاق، لكنهم اختلفوا في نوعه؛ فمنهم من يرى أنها طلقة رجعية، ومنهم من يرى أنها طلقة بائنة، ومنهم من يرى أنها ثلاث.
ومن ثَمَّ اختلف الفقهاء في حكم هذا التخيير، ولهم في ذلك تفريعات كثيرة، وقد تقصَّـى ابن حزم هذه المسألة، ورجَّح هو أنه لا يقع بذلك طلاق؛ لأن الله لم يجعل أمر الطلاق بيد النساء، وله في ذلك كلام حسن، لكننا نرى أن ابن القيم بعد أن ذكر شـيئًا من كلام ابن حزم يقول: (ولولا هيبة أصحاب رسول الله ﷺ لما عدل عن هذا القول، ولكن أصحاب رسول الله هم القدوة، وإن اختلفوا في حكم التخيير، ففي ضمن اختلافهم اتفاقهم على اعتبار التخيير وعدم إلغائه، ولا مفسدة في ذلك، والمفسدة التي ذكر نحوها في كون الطلاق بيد المرأة، إنما تكون لو كان ذلك بيدها استقلالا، فأما إذا كان الزوج هو المستقل بها، فقد تكون المصلحة له في تفويضها إلى المرأة لتصـير حاله معها على بينة؛ إن أحبته أقامت معه، وإن كرهته فارقته، فهذا مصلحة له ولها، وليس في هذا ما يقتضـي تغيير شـرع الله وحكمته، ولا فرق بين توكيل المرأة في طلاق نفسها وتوكيل الأجنبي، ولا معنى لمنع توكيل الأجنبي في الطلاق، كما يصح توكيله في النكاح والخلع)[4].
قلت: ولكن يشكل على هذا ظاهر الآية؛ فقد قال تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ الآية [الأحزاب:28]، فظاهر الآية أنهن إن اخترن الطلاق طلقهن بنفسه، لا أن مجرد الاختيار لنفسها يقع طلاقًا، وهذا ظاهر.
ويمكن أن يقال: إن المقصود بالتسـريح: إمضاء الفرقة، وعدم الرجعة، وذلك كقوله تعالى عن المطلقة الرجعية: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [البقرة:231]، أي إذا انتهت العدة؛ فإما أن تمسكها، وإما أن تتركها فلا تراجعها إضـرارًا بها، وعلى هذا فيترجح القول بأن التخيير إذا اختارت نفسها أنها طلقة رجعية.
قال ابن حجر رحمه الله: (والتسـريح في هذه الآية محتمل للتطليق والإرسال... وذلك راجع إلى الاختلاف فيما خير به النبي ﷺ نساءه؛ هل كان في الطلاق والإقامة؟ فإذا اختارت نفسها طلقت، وإن اختارت الإقامة لم تطلق... أو كان التخيير بين الدنيا والآخرة؟ فمن اختارت الدنيا طلقها ثم متعها ثم سـرحها، ومن اختارت الآخرة أقرها في عصمته)[5].
ويشكل على ذلك أيضًا ما ثبت أن رجلا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: ملكت امرأتي أمرها، فطلقتني ثلاثًا، فقال ابن عباس: «خطَّأ الله نوءها، إنما الطلاق لك عليها، وليس لها عليك»[6]. لكن هذا الأثر أجاب عنه ابن القيم بأن المرأة طلقت الرجل، وليس لها ذلك، والنزاع فيما لو طلقت نفسها بعد تمليكه نفسها[7].