تقدير النصاب في النخيل والأعناب بالخَرْص:
عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ: «اخرصوا»، وخرص رسول الله ﷺ عشـرة أوسق، فقال لها: «أحصـي ما يخرج منها»[1].
وعن عائشة رضي الله عنها وهي تذكر شأن خيبر: «كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه»[2].
«والخرص» هو التقدير باجتهاد الساعي الأمين؛ بحيث يقدر ما على النخل والشجر من الثمار والعنب، ثم يقدره تمرًا أو زبيبًا ليعرف مقدار الزكاة منه، ويكون هذا الخرص بعد بدو صلاحه، والثمار على النخيل والأعناب.
والحكمة من ذلك: إحصاء الزكاة ومعرفة قدرها قبل أن تؤكل الثمار؛ فإن العادة جرت بأكل الثمار رطبًا. وعلى هذا فيلاحظ ما يأتي:
أولًا: يكون الخرص إذا بدا الصلاح، وبدو صلاحه بأن يحمر التمر أو يصفر، وبأن يبدأ جريان الحلاوة في العنب.
ثانيًا: يجزئ أن يكون الخارص واحدًا، ويعتبر أن يكون أمينًا غير متهم، عارفًا بما يمكن أن يقدر به الثمار.
ثالثًا: على الخارص أن يدع في تقديره قدر ما يأكلون، ويقدره بعضهم بالثلث، فإن لم يفعل فليدع لهم الربع؛ توسعةً على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضـيافهم، ويطعمون جيرانهم وأهليهم وأصدقاءهم، واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع»[3]، لكنه حديث ضعيف فيه رجل مجهول.
رابعًا: قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا ادَّعى رب المال غلط الخارص، وكان ما ادعاه محتملًا؛ قُبِل قوله بغير يمين، وإن لم يكن محتملًا مثل أن يدَّعي غلط النصف ونحوه، لم يقبل منه، وإن قال: لم يحصل في يدي غير هذا، قُبِل منه بغير يمين؛ لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها)[4].
خامسًا: إن لم يخرج الإمام خارصًا كما هو الحال في زماننا، فقد أفاد ابن قدامة في المغني[5] أنه يخرج هو خارصًا يقدر ذلك، وإن خرص هو بنفسه جاز، ويحتاط في أن لا يأخذ أكثر مما له أخذه.
سادسًا: الخرص إنما يكون في النخيل، ويلحق به الأعناب فقط، وأما الحبوب فلا خرص فيها.
سابعًا: صفة الخرص: أن يطوف بالشجرة، ويرى جميع ثمرتها، ويقول: خرصها كذا وكذا رطبًا، ويجيء منه كذا وكذا يابسًا.