ثالثًا: عتق رقبة:
اشترط جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة، وجعلوا هذا الشـرط أيضًا في عتق الرقبة في كفارة الظهار، وكفارة الجماع في رمضان. وأما الحنفية فقد ذهبوا إلى عدم اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في هذه الكفارات.
ومنشأ الخلاف بينهم أن الله أوجب في كفارة القتل الخطأ (عتق رقبة مؤمنة) فوصفها بالإيمان، ولم يذكر هذا الشـرط في كفارة الظهار، أو كفارة اليمين، وكذلك لم يوجب النبي ﷺ ذلك في كفارة الجماع في رمضان، فحمل الجمهور المطلق على المقيد، وجعلوا الشـرط عامًّا في جميع الكفارات. وأما الحنفية فلم يحملوا المطلق على المقيد، بل جعلوا كل نص على حدة.
قلت: وما ذهب إليه الحنفية قوي؛ لأن ما ذهب إليه الجمهور معترض: قال الشـيخ ابن عثيمين: (الحكم مختلف؛ ففي كفارة القتل: عتق وصـيام بدون إطعام، وفي كفارة الظهار: عتق وصـيام وإطعام، وكذلك في كفارة الجماع في نهار رمضان، وأما كفارة اليمين فواضح الاختلاف: طعام وكسوة وصـيام؛ يعني مع العتق)[1].
ثم ذهب الشـيخ إلى أن الأفضل عتق رقبة مؤمنة؛ لأن ذلك أبرأ للذمة، وأحوط للشبهات، أما إذا أعتق الرجل في هذه الكفارات رقبة غير مؤمنة، فلا نلزمه بإعادة الكفارة ونغرمه. وهذا القول فيه نظر، وهو مخالف لقول جمهور العلماء، وبيان ذلك أن (الرقبة) عند الإطلاق ينبغي أن تحمل على (المسلمة) ما لم يدل دليل على خلاف ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ [البقرة:177] فهي في المسلمين فقط كما تقدم في أبواب الزكاة.