ثالثًا: مُحرَّم لأنه غير مملوك:
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، أفأبتاعه له من السوق؟ فقال: «لا تبع ما ليس عندك»[1].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل سلف وبيع، ولا شـرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك»[2].
فعلى هذا يشترط أن يكون المبيع وقت العقد مملوكًا ملكًا تامًّا للبائع، أو مأذونًا له فيه بالتصـرف، كالوكيل، والولي، والوصـي، والناظر على مال الوقف. ويدخل في المنع أنواع من البيوع، كلها غير جائزة:
فمنها: أن يبيعه عبده الآبق أو جمله الشارد.
ومنها: أن يبيعه شـيئًا اشتراه لكنه لم يقبضه؛ لأنه لا يجوز له البيع قبل القبض.
الحكمة من النهي عن بيع ما ليس عنده:
قال ابن القيم رحمه الله: (فبائع ما ليس عنده من جنس بائع الغرر؛ الذي قد يحصل، وقد لا يحصل، وهو من جنس القمار والميسـر)[3].
قلت: ورد في الحديث السابق صور أخرى من البيوع المنهي عنها، وهي:
وصورة ذلك: أن يبيعه شـيئًا بكذا، على أن يقرضه (كذا من المال)؛ مثال: (بع لي هذا الكتاب وعليَّ أن أقرضك مائة جنيه) فهذا البيع غير صحيح؛ لأن فيه قرضًا جرَّ نفعًا، ولأنه اشتمل على بيع وسلف.
فسـره بعضهم بالبيعتين في بيعة، وسـيأتي معناها[4]. وفسـره بعضهم بأن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني هذه السلعة بكذا. وله تفسيرات أخرى فيها خلاف بين العلماء.
قيل: معناه: ما لم يملك: كبيع الغاصب؛ فإذا اغتصب شخص شـيئًا ما فلا يجوز له بيعه لأن ما اغتصبه ليس في ملكه، فإذا باعه وربح فيه، فإنه لا يحل له البيع، ولا يحل له الربح[5].
وقيل معناه: ما لم يقبض؛ لأنه إذا لم يتسلم السلعة ويقبضها، فليست في ضمان المشتري، بل هي في ضمان البائع، يعني أنها إذا تلفت قبل أن يتسلمها كان إتلافها على البائع - يعني هو الذي يتحمل الخسارة - حتى يقبضها المشتري.
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يقبضه »[6].
قال ابن قدامة رحمه الله: (وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه، لم يجز بيعه حتى يقبضه)[7]. وقال ابن حزم رحمه الله: (ومن ابتاع شـيئًا -أي شـيء كان- فلا يحل له أن يبيعه حتى يقبضه)[8].
قلت: وهو قول جمهور العلماء، وقيَّد المالكية هذا النهي بالطعام فقط؛ اعتمادًا على ظاهر نص الحديث السابق.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، ومما يؤيد قولهم نهيه ﷺ عن «بيع ما لم يضمن»[9]، وأيضًا ما ثبت عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي ﷺ «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم»[10]. فلفظ «السلع» عام، سواء كان طعامًا أو غير طعام.
الراجح أن صفة القبض ترجع إلى العرف، وتختلف باختلاف السلعة؛ قال ابن قدامة رحمه الله: (وقبض كل شـيء بحسبه؛ فإن كان مكيلًا أو موزونًا بيع كيلًا ووزنًا، فقبضه بكيله ووزنه)[11]. وقال ابن حجر رحمه الله: (وفي صفة القبض عن الشافعي تفصـيل، فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالتناول، وما لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع فيه)[12].
قال ابن تيمية رحمه الله: (وعلة النهي عن البيع قبل القبض ليست توالي الضمانين، بل عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه، وقد لا يسلمه، ولا سـيما إذا رأى المشتري قد رَبِــحَ، فيسعى في رد البيع، إما بجحد أو باحتيال في الفسخ)[13].
عن جابر: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء»، وفي رواية: «وعن بيع ضـراب الجمل »[14].
قال ابن القيم رحمه الله: (الماء خلقه الله في الأصل مشتركًا بين العباد والبهائم، وجعله سقيا لهم، فلا يكون أحد أخص به من أحد، ولو أقام عليه، فأما من حازه في قربته وإنائه فذاك غير المذكور في الحديث، وهو بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه ثم أراد بيعها؛ كالحطب والكلأ والملح، وقد قال النبي ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمه الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكفُّ الله بها وجهه؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»[15] )[16].
قال الشوكاني رحمه الله: (والظاهر أنه لا فرق بين الماء الكائن في أرض مباحة أو في أرض مملوكة، وسواء كان للشـرب أو لغيره، وسواء كان لحاجة الماشـية أو الزرع، وسواء كان في فلاة أو في غيرها)[17].
قلت: هذا العموم الذي ذهب إليه الشوكاني يعارضه ما ذكره النووي بأن المقصود النهي عن فضل الماء الذي يمنع به الكلأ كما ورد في إحدى الروايات. قال رحمه الله: (معناه أن تكون لإنسان بئر مملوكة له بالفلاة، وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن أصحابَ المواشـي رعيه إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشـية، ويجب بذله لها بلا عوض)[18].
قلت: وأيا كان الرأي فيلاحظ الآتي:
(1) إذا أحرز الإنسان الماء في قربة ونحوها فإنه يجوز له بيعه، وعلى هذا فلا بأس ببيع المياه المعدنية.
(2) يجوز بيع الماء المنقول خلال محطات المياه إلى البيوت، كما تفعله بعض الشـركات أو بعض الحكومات.
(3) إذا احتفر بئرًا جاز بيعه؛ لأنه يبيع العين ويكون الماء تبعًا له؛ كما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين»، وفي رواية «من حفر رومة فله الجنة»، وهي بئر كانت ليهودي فاشتراها عثمان ثم سبَّلها على المسلمين[19]. أي: جعلها وقفًا.