ثانيًا: الجناية بالجراح:
يقتص بكل جرح ينتهي إلى عظم، وقد تكون في الرأس والوجه، وتسمى (الشجاج)، وقد تكون في البدن.
القسم الأول: الجراح على الوجه والرأس (الشجاج):
وقد قسمها العلماء إلى أقسام على النحو الآتي:
(1) الخارصة: وهي التي تشق الجلد قليلًا كالخدش، ولا يخرج الدم.
(2) الدامية: وهي التي تدمي موضعها من الشق والخدش، ولا يقطر منها دم، وتسمى أيضًا (البازلة).
(3) الباضعة: وهي التي تقطع اللحم بعد الجلد، وقيل: التي تقطع الجلد.
(4) المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم، لكنها لم تبلغ الجلدة بين اللحم والعظم.
(5) السِّمْحاق: وهي التي تبلغ الجلدة التي بين العظم واللحم، وتسمى أيضًا (المِلْطاة) أو (اللاطئة).
(6) المُوضِحة: وهي تخرق السمحاق وتوضح العظم.
(7) الهاشمة: وهي التي تهشم العظم - أي: تكسـره - سواء أوضحته أم لا.
(8) المنقِّلة: وهي التي تكسـر العظم وتنقله من موضعه ، سواء أوضحته وهشمته أم لا.
(9) المأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس، أي: خريطة الدماغ المحيطة، وتسمى أيضًا: الآمَّة.
(10) الدامغة: وهي التي تخرق الخريطة وتصل إلى الدماغ[1].
القسم الثاني: الجراح في البدن:
تنقسم الجراح، إذا كانت على البدن؛ إلى قسمين:
(1) الجائفة: وهي التي تصل إلى الجوف، من الصدر، أو البطن، أو الظهر، أو الجنبين، أو غير ذلك.
(2) غير الجائفة: وهي الجراح التي لا تصل إلى الجوف، كالجراح على اليدين أو الرجلين.
أحكام القصاص في الجراح:
القاعدة في القصاص في الجراح أنه كلما أمكن استيفاء القصاص وجب، وإذا لم يمكن انتقل الحكم إلى الأَرْش[2]، وعلى ذلك رأى العلماء ما يلي:
(1) لا خلاف في وجوب القصاص في «الموضحة»؛ لأنها تنتهي إلى عظم فيمكن المماثلة.
(2) واتفقوا على أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة (كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة)؛ لأنه لا يمكن المساواة في كسـر العظم وتنقله، ويرى بعض الفقهاء أننا نقتص منه إلى الموضحة، ونأخذ (أرش) الباقي من الجاني.
(3) وإذا كان الجرح أقل من الموضحة؛ كالخارصة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة؛ فيرى الحنفية والمالكية ورواية عند الشافعية أن فيها القصاص، ويرى الحنابلة وهو المذهب عند الشافعية أنه لا يقتص منه؛ لعدم إمكانية المماثلة.
(4) اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة؛ لعدم التماثل، وأما غير الجائفة فاختلفوا؛ فعند الحنفية: لا قصاص، وعند المالكية: يجب القصاص؛ لعموم الآية: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ [المائدة:45]، وعند الشافعية والحنابلة: يقتص من كل جرح يصل إلى عظم، وأما ما زاد أو نقص ففيه ما تقدم في رقم (2، 3).
قلت: ومع تقدم الطب، فإنه قد يمكن القصاص في كل شـيء، وهذا هو العدل الذي أمر الله به. قال ابن عثيمين: (فالذي نرى أنه الآن يمكن المقاصة في كل جرح، ولكن بشـرط أن يمكن القصاص، فإن كان في بلد ليس فيه أطباء يعرفون كيف يجرحون جرحًا مماثلًا، فحينئذ لا قصاص)[3].
ويرى ابن تيمية أن القصاص يكون في كل شـيء؛ حتى في اللطمة، والضـربة والسَّبَّة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة:194]. ولعمل النبي ﷺ بالقود في اللطمة والطعنة والجبذة، وكذلك الصحابة، ثم رد على القائلين بشبهة عدم المماثلة فقال: (والعدل في القصاص معتبر بحسب الإمكان، ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبا منها كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط؛ فالذي يمنع القصاص في ذلك خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فر منه)[4].
وهذا أيضًا ما رجحه ابن حزم في المحلى[5].