حكم تسوية الصفوف:
الراجح وجوب تسوية الصفوف؛ فعن النعمان بن بشـير رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم»[1]. وفي بعض الروايات: «بين قلوبكم»، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة»، وفي رواية: «من تمام الصلاة»[2]. وهذه التسوية تتحقق بمراعاة هذه الأمور:
(1) المحاذاة: بحيث لا يتقدم أحد على أحد، وهذه المحاذاة تكون بالمناكب (الأكتاف)، وبالأكعب، وأما المحاذاة بأطراف أصابع الأرجل فهو خطأ؛ لأن أقدام الناس تختلف طولًا وقصـرًا.
(2) التراص: بحيث لا تحصل فرجات ولا خلل بين الصفوف؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، وَلِينُوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشـيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله»[3]. وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق؛ فوالذي نفسـي بيده إني لأرى الشـيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف»[4]. قال الخطابي رحمه الله: «رصوا صفوفكم» معناه: ضموا بعضها إلى بعض، و«الحذف»: غنم سود صغار.
وصفة الرص: ما ثبت في روايتي حديث أنس والنعمان السابقين؛ وفيهما: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه[5].
تنبيه: لا يعني ما سبق: «التزاحم» الذي قد يذهب الخشوع. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وليس المراد بالتراص التزاحم)[6].
وعلى المسلم أن يلين لأخيه بأن يصل الصف ويسد الخلل، ولا يدفعه بمنكبه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «خياركم ألينكم مناكب في الصلاة»[7].
(3) تقارب الصفوف: وقد تقدم في حديث أنس قوله ﷺ: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها».
(4) إتمام الصفوف: بحيث لا يشـرع في صف حتى يتم الذي قبله؛ فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر»[8]. وقد ورد الحث على ذلك؛ فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها عز وجل؟» قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف»[9].
(5) أن تقدم صفوف الرجال وتؤخر صفوف النساء، وقد تقدم بيان ذلك.
مسألة: وهل تؤخر صفوف الصبيان بحيث تلي صفوف الرجال؟ يرى بعض العلماء أن ذلك من تسوية الصفوف؛ لما ثبت في سنن أبي داود عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: «ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ؟ قال: فأقام الصلاة وصف الرجال وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم... إلخ»[10]، ولكنه حديث ضعيف؛ فإنه من رواية شهر ابن حوشب، ولذلك رجح الشـيخ ابن عثيمين والشـيخ الألباني -رحمهما الله- وقوف الغلمان مع الرجال[11]، وقد أورد الشـيخ ابن عثيمين بعض المحاذير من جعلهم صفوفًا منفردة بما يحدثون من تشويش، ومن كراهيتهم للمسجد وكراهيتم لمن أخرهم.
قلت: يمكن أن يستدل على وقوفهم في الصفوف بحديث ابن عباس قال: «أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد»[12]، لكن يراعى أن لا يكونوا خلف الإمام مباشـرة؛ للحديث الآتى.
(6) أن يلي الإمامَ أولو الأحلام والنُّهَى: وذلك لحديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهَيْشَات الأسواق»[13]. «أولو الأحلام»: البالغون الموصوفون بالحلم، العقلاء لشـرفهم ومزيد تفطنهم وتيقظهم، وضبطهم لصلاة الإمام، ولذا رجحت أن الأطفال لا يكونون خلف الإمام، وقد يستدل البعض أن هذا الحديث دليل على تأخير الأطفال؛ لأنه قال: ثم الدين ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وأقول: ليس فيه دليل عل تأخير الأطفال إنما فيه الحث على تقدم أولي الأحلام والنهى.
و(هذا الحديث ليس نهيًا لغيرهم عن التقدم، وإنما هو حث لأولي الأحلام والنُّهَى بالتقدم إلى الصلاة، حتى يكونوا خلف الإمام، وفي الصفوف الأولى، فإن تكاسلوا وتأخروا عن الحضور إلى الصلاة، فمن سبق إلى الصف الأول أو خلف الإمام فهو أحق به، ولو كان صبيًا صغيرًا). قال ابن حجر الهيتمي: (الصِّبْيَانَ مَتَى سَبَقُوا الْبَالِغِينَ إلَى الصفِّ الْأَولِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إخْرَاجُهُمْ) انتهى[14].
وقال ابن باز: (وأما قوله ﷺ: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى»، فالمراد به التحريض على المسارعة إلى الصلاة من ذوي الأحلام والنُّهَى وأن يكونوا في مقدم الناس، وليس معناه تأخير من سبقهم من أجلهم) انتهى[15].
و«هيشات الأسواق»: ما يكون فيه من الجلبة وارتفاع الأصوات.
(7) تفضـيل ميامن الصفوف؛ لحديث: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف»[16].
قال الشـيخ ابن باز رحمه الله: (ولا حرج أن يكون يمينُ الصف أكثرَ -يعني من يساره- حرصًا على تحصـيل الفضل).
(8) يكره أن تصف صفوف الصلاة بين السواري إلا لحاجة؛ لما ثبت عن عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدفعنا إلى السوارى، فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: «كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ»[17]. وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: «كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها طردًا»[18].
قال ابن العربي رحمه الله: (ولا خلاف في جوازه عند الضـيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة)[19].