وهو أن يبيعه مثلًا ذهبًا بذهب، أو طعامًا بطعام مثله بزيادة من أحدهما[1]، كأن يبيعه عشـر جراماتٍ ذهبًا مثلًا بإحدى عشـرة، أو يبيعه صاعًا من تمر جيد بصاعين من تمر رديء، فهذا أيضًا محرم؛ لأنه ذريعة إلى ربا النسـيئة.
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء»[2].
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، والبر بالبر مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، والشعير بالشعير مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد»[3]. ومعنى هذه الأحاديث أن هذه الأصناف يلاحظ في بيعها ما يلي:
أولًا: أن يتحد المبيع مع الثمن في جنسه[4] من الأصناف الربوية؛
كمن يبيع ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة، أو تمرًا بتمر... إلخ، مما ذكر في الأحاديث، فيشترط في ذلك شـرطان:
(1) التقابض في المجلس، فيسلم ما يبيعه، ويأخذ المقابل في نفس المجلس، فلا يجوز لأحدهما أن يؤخر شـيئًا عن مجلس العقد، وهذا معنى قوله في الحديث: «يدًا بيد».
(2) أن يتساوى المبيع (مثلًا بمثل) فيكون وزن الذهب كوزن الذهب؛ حتى لو كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، وأن يبيع التمر بالتمر مثلًا بمثل؛ حتى لو كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، وهكذا بقية الأصناف.
ثانيًا: أن يختلف المبيع عن الثمن في جنسه مع اشتراكهما في العلة[5]؛
كأن يبيع ذهبًا بفضة، أو تمرًا ببر، أو غير ذلك من الأصناف المذكورة في الحديث ونحوها مما يشاركها في العلة، فيشترط في هذه الحالة التقابض في المجلس (يدًا بيد)، لكن يجوز أن يختلف الوزن أو الكيل، بأن تكون الفضة أكثر من الذهب، أو البر أكثر من التمر، ولكن الشـرط المعتبر في هذه الحالة فقط هو أن يتقابضا في نفس المجلس.
ثالثًا: أن يختلف المبيع عن جنسه مع اختلافه في العلة،
كأن يبيع التمر بالذهب، فهذا يجوز فيه التفاضل، كما يجوز فيه تأخير الثمن، أي لا يشترط أن يكون يدًا بيد، كما لا يشترط أن يكون مثلًا بمثل.
الأصناف التي يحرم فيها التفاضل:
اختلف العلماء في تحديد هذه الأصناف التي يحرم فيها التفاضل؛ فذهب الظاهرية إلى أنها في الأصناف الستة فقط المذكورة في الحديث؛ وهي: الذهب، والفضة، والتمر، والبر، والملح، والشعير، وممن ذهب إلى ذلك أيضًا قتادة.
وذهب عامَّة الفقهاء إلى أن الحكم يتعدى إلى غير ما ذكر؛ لاشتراك غيرها معها في العلة، ثم اختلفوا في تحديد هذه العلة على الأقوال الآتية:
القول الأول: أن العلة في النقدين (الذهب والفضة): الوزن، وفي غيرها الكيل، أي أن الذهب والفضة يباعان بالوزن، والأربعة الأخرى المذكورة في الحديث تُباع بالكيل.
القول الثاني: أن العلة في النقدين: الثمنية[6]، وفي غيرها كونه مطعومًا.
القول الثالث: أن العلة في النقدين: الثمنية، وفي غيرها أنه مطعوم مكيل أو مطعوم موزون.
وهذه الأقوال الثلاثة روايات عن الإمام أحمد، ووافقه في الأولى أصحاب الرأي (الحنفية)، وفي الثاني الشافعية، واستدلوا على ذلك بما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ «نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل»[7]، والقول الثالث وافقه فيه الشافعي في القديم.
القول الرابع: قول المالكية: قالوا: العلة القوت أو ما يصلح به القوت، وهذا هو القول الراجح، وهو ما رجحه ابن القيم رحمه الله وقالوا: في الذهب والفضة: العلة فيهما الثمنية[8].