هناك أمور متفق عليها وأمور مختلف فيها في طريقة التذكية، وبيانها فيما يلي:
(1) ما يقطع عند الذبح:
اتفق العلماء على أنه لو قُطِع الحلقوم (مجرى النفس)، والمريء (مجرى الطعام)، والوَدَجان (وهما عرقان على جانبي الرقبة)؛ أن ذلك الذبح هو الذبح الكامل المبيح للأكل. لكنهم اختلفوا لو قطع بعض هذه الأجزاء دون بعض، والراجح صحة الذبح إذا قطع بعض هذه الأعضاء على أن يكون فيها الحلقوم والمريء؛ لعموم قوله ﷺ: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»[1]، وهذا مذهب الشافعي والحنابلة[2]، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا بد من قطع الأربعة، وهو مذهب مالك وأبي يوسف، ورواية عن أحمد، وذهب أبو حنيفة إلى اعتبار قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.
(2) موضع القطع:
اتفق الفقهاء على أنه إذا قطعت جوزة الحلقوم (وهي العقدة التي في أعلى الحلق)، وخرج بعضها إلى جهة البدن، وبعضها إلى جهة الرأس؛ حلت الذبيحة.
واختلفوا إذا قطع فوق الجوزة، فقال جمهور الفقهاء: لا تؤكل، وقال الحنفية وبعض المالكية: تؤكل، وهو الراجح، وأيده ابن حزم في (المحلى)؛ لعموم الحديث أيضًا؛ وهو: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»، إذ لم يخص إذا كان ذلك فوق الجوزة أو تحتها.
ويتعلق بموضع القطع ما يلي:
(أ) هل يجوز الذبح من القفا أو صفحة العنق (أي: جانبه)؟
الجواب: أن ذلك مكروه، لكن لو كانت الآلة سـريعة وحادة وأتى السكين على موضع الذبح، وأنهر الدم، فالراجح إباحة الذبيحة، ومما يدل على حلها ما ثبت أن خبازًا لأنس بن مالك رضي الله عنه ذبح دجاجة فاضطربت، فذبحها من قفاها، فأبان الرأس، فأرادوا طرحها، فأمرهم أنس بأكلها[3]. وأما إن كانت الآلة كالَّةً -أي ضعيفة- فالذي يترجح عدم حلها؛ لأنها تموت قبل وصول السكين إلى مواضع الذبح.
(ب) إذا ذبح وتمادى في الذبح حتى أبان الرأس (قطعها)، فهل تحل الذبيحة؟
الجواب: الراجح أن الذبيحة حلال أكلها، وقد ثبت نحو ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم؛ فعن أبي مجلز رضي الله عنه قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن ذبيحة قطع رأسها؟ «فأمر ابن عمر بأكلها»[4]. وعن قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في الدجاجة إذا قطع رأسها: «ذكاة سـريعة». أي: كُلها[5]. وضـرب رجل بسـيفه عنق بطة فأبان رأسها، فسأل عمران بن الحصـين رضي الله عنه، «فأمر بأكلها»[6].
(3) حكم الذبائح المذبوحة بالآلات الحديثة:
بناء على ما تقدم؛ فما يذبح بالآلات الحديثة؛ بقطع عنق الدجاجة كاملة، أو ذبح المواشـي من قفاها، فإن الذبح صحيح؛ لما هو معلوم من حدة هذه الآلات الكهربائية وسـرعة ذبحها، ولكن مع توفر بقية شـروط الذبح.
طرق التذكية اثنتان؛ وهما: ذبح، ونحر:
فالذبح: هو الذي يكون في أعلى العنق عند العقدة التي يطلق عليها (الجوزة)، ويكون ذلك في البقر والغنم ونحوهما.
والنحر: يكون في العنق من أسفل، ويكون ذلك في «اللَّبة»، ويختص النحر بالإبل.
ومع هذا فإن كل ما جاز ذبحه جاز نحره، وكل ما جاز نحره جاز ذبحه، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم؛ لعموم الحديث السابق: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.
هذا كله إذا كان الحيوان متمكَنًا منه ومقدورًا عليه، وأما إذا كان غير متمكن منه، وتعذَّر ذبحه لهربه مثلًا؛ فإنه يجرح في بدنه في أي موضع، وتسمى هذه الحالة (العقر) أي: إزهاق الروح في أي موضع كان، شـريطة أن يكون بآلة حادة، أي لا يكون بمثقَّل أو حجر؛ وذلك لحديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، ففرَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله ﷺ: «إن لهذه البهائم أوابدَ كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا»[1]. و«الأوابد» جمع آبدة، ومعنى «تأبدت»: توحشت.
تنبيه: ذكاة الجنين ذكاة أمه:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين؟ فقال: «كلوه إن شئتم»، وفي رواية: قلت يا رسول الله: ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه»[2].
وعلى هذا، فإذا ذبح الحيوان فوجدنا في بطنه جنينًا؛ فإن كان ميتًا فحلال أكله؛ لأنه ذكي بذكاة أمه، وهذا هو قول الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية. وإن كان حيًّا فإنه لا يحل حتى يُذكَّى، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.