حكم إرضاع الكبير:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم (وهو حليفه)، فقال النبي ﷺ: «أرضعيه»، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله وقال: «قد علمت أنه رجل كبير»[1]، وفي رواية: «أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة».
وقد اختلف العلماء في حكم إرضاع الكبير هل يُحرِّم أو لا؟
فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإرضاع لا يُحرِّم إلا في حال الصغر، وذهب طائفة منهم إلى أن إرضاع الكبير يُحَرِّم أيضًا، عملًا بحديث سهلة، وإرضاعها لسالم مولى أبي حذيفة، وهذا ما أخذت به عائشة رضي الله عنها فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وكانت تحتج بحديث سهلة على باقي زوجات النبي ﷺ؛ لكنهن كن يرون ذلك خاصًّا بسالم[2].
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ للأدلة الآتية:
(أ) أن الرسول ﷺ قال: «إنما الرضاعة من المجاعة»، ولا شك أن ذلك لا يكون إلا في زمن الرضاعة، وهو خاص بالصبي الرضـيع، الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه هو اللبن، فالرضاعة هي التي تسد مجاعته.
(ب، ج) ومما يدل على ذلك قوله في الحديث الآخر: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان في الثدي قبل الفطام»، أي في زمن الثدي، ومعلوم أن زمن الثدي هو الصغر. وأما فعل عائشة فهو اجتهاد منها مأجورة عليه، ولكن يترجَّح عليه اجتهاد بقية أمهات المؤمنين.
تنبيه: ذهب ابن تيمية إلى أن حديث سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوص، ولا عام في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يُستغنى عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه؛ كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثَّر رضاعُه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، وقد ارتضـى هذا الرأي تلميذه ابن القيم[3]، ولكن للشـيخ ابن عثيمين تحفظات على هذا الرأي؛ فراجعه[4].