يشـرع للمسافر قصـر الصلاة الرباعية إلى ركعتين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء:101]، وتواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ كان يقصـر في أسفاره.
ولكن اختلف العلماء في حكم القصـر في السفر؛ فمنهم من يرى الوجوب، وأن من أتم الصلاة آثم بذلك، وهو مذهب الحنفية والظاهرية، وذهب آخرون إلى أن القصـر رخصة، وهو مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة، ثم اختلفوا هل الإتمام أفضل أم القصـر؟ والذي اختاره شـيخ الإسلام ابن تيمية أن الإتمام مكروه[1]؛ قال الشـيخ ابن عثيمين: (وهو قول قوي، بل لعله أقوى الأقوال)[2]. وقال أيضًا: (والذي يترجح لي -وليس ترجيحًا كبيرًا- هو أن الإتمام مكروه، وليس بحرام، وأن من أتم لا يكون عاصـيًا)[3].
أولًا: ملازمة النبي ﷺ القصـر في السفر، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أتم الرباعية، مع قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
ثانيًا: حديث عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين؛ فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضـر»[4]. قالوا: فهذا دليل على أن الفرض في السفر ركعتان.
ثالثًا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم؛ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، وفي الخوف ركعة»[5].
وأما أدلة القائلين بأن القصر رخصة فهي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [النساء:101]؛ قالوا: ونفي الجناح لا يدل على العزيمة، وإنما يدل على الرخصة.
ثانيًا: أنه قد ثبت الإتمام من الصحابة؛ كعثمان، وابن مسعود، وعائشة رضي الله عنهم، ومنهم من روى أحاديث القصـر السابقة كعائشة، ولو كانت تقصد الفرضـية بمعنى الحتم والإلزام لما أتمت رضي الله عنها، ولكنها قالت لعروة لما سألها عن إتمامها: (يا ابن أختي إنه لا يشق علي)، فعلم من ذلك أنها فهمت الرخصة.
ثالثًا: قالوا: ولأنه لو ائتم المسافر بالمقيم أتم الصلاة، وصحت صلاته، والصلاة لا تزيد بالائتمام؛ بدليل أنه لو صلى الصبح خلف من يصلي الظهر، فإنه لا يتابع الإمام بعد الركعتين.
فهذه أدلة الفريقين، ولكل منهما مؤاخذات على الآخر، وما أعجب قول الإمام أحمد: (أنا أحب العافية من هذه المسألة)[6]، وإن كان المشهور عنه رضي الله عنها: أن المسافر إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أتم.
قلت: وبعد استعراض أدلة الفريقين، فالذي أرجحه-والله أعلم- القول بوجوب القصـر، فلا ينبغي للمسافر الإتمام إلا إذا كان عنده تأويل في إتمامه، أو كان يصلي خلف مقيم، أو كان يعتقد أنها رخصة فقط فلا ينكر عليه، فإنها من موارد النزاع التي يسعنا فيها الخلاف. كما قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنها: (هذه مسائل اجتهاد، فمن فعل منها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه، ولم يهجر)[7].