خامسًا: مقدار الواجب في زكاة الفطر:
الواجب في زكاة الفطر «صاع» من أقوات البلد كما ورد في الحديث، فعلى هذا يخرج صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو أي شـيء آخر مما يعد قوتًا؛ كالذرة والأرز ونحو ذلك؛ وذلك لقول أبي سعيد الخدري: «كنا نخرج في عهد النبي ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام»، قال أبو سعيد: «وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر»[1]. فدل ذلك على أن المعتبر طعام أهل البلد المقتات عندهم؛ كالأرز والذرة والقمح وغير ذلك، وإن لم ينص عليها الحديث.
هذا وقد اختلفوا في مقدار الزكاة من القمح؛ فذهب بعض العلماء أنه يقدر بنصف صاع؛ لأن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير، وهذا ثابت عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وهو ما رجَّحه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ورجَّحه شـيخنا الألباني كما في «تمام المنة».
وذهب آخرون إلى اعتبار الصاع؛ لأن الأحاديث الواردة في زكاة الفطر اعتبرت الصاع مقدارًا، دون النظر إلى الفرق بين قيمة الأصناف. وما ذكر من رأي بعض الصحابة فقد خالفهم غيرهم؛ منهم أبو سعيد الخدري، وهو رأي الأئمة أحمد والشافعي ومالك.
قلت: والراجح هو القول الأول بأن نصف صاع من القمح يكفي عن صاع من غيره، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، وبه يحسم هذا النزاع، وهو ما أخرجه الطحاوي، وابن أبي شـيبة، وأحمد، بسند صحيح عن عروة بن الزبير أن أسماء بنت أبي بكر كانت تخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها -الحر منهم والمملوك- مُدَّين من حنطة أو صاعًا من تمر، بالمد أو بالصاع الذي يقتاتون به.
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (اتفق العلماء بأن المراد بالصاع في الفطر، والصاع في الغسل، والمد في الوضوء، ونصف الصاع في فدية الأذى؛ أن المراد بذلك الصاع والمد النبويان)[2]. قال: (وقد حررته فبلغ كيلوين وأربعين جرامًا من البر الرزين)[3]. وتقدير الصاع أربع أمداد (حَفَنات) بكفي الرجل المعتدل[4].