حجم الخط:


رابعًا: إذا رأى الهلالَ أهلُ بلد دون غيرهم؟

سئل فضـيلة الشـيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: هل يلزم المسلمين جميعًا في كل الدول الصـيام برؤية واحدة؟

أجاب: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ أي: إذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين، وثبتت رؤيته شـرعًا، فهل يلزم بقيةَ المسلمين أن يعملوا بمقتضـى هذه الرؤية؟

فمن أهل العلم من قال: إنه يلزمهم أن يعملوا بمقتضـى هذه الرؤية، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، وبقول النبي ﷺ: «إذا رأيتموه فصوموا»[1]، قالوا: والخطاب عام لجميع المسلمين. ومن المعلوم أنه لا يراد به رؤية كل إنسان بنفسه؛ لأن هذا متعذر، وإنما المراد بذلك إذا رآه من يثبت برؤيته دخول الشهر. وهذا عام في كل مكان.

وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه: إذا اختلفت المطالع فلكل مكان رؤيته، وإذا لم تختلف المطالع فإنه يجب على من لم يره إذا ثبتت رؤيته بمكان يوافقهم في المطالع أن يعملوا بمقتضـى هذه الرؤية، واستدل هؤلاء بنفس ما استدل به الأولون؛ فقالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، ومن المعلوم أنه لا يراد بذلك رؤية كل إنسان بمفرده، فيعمل به في المكان الذي رؤي فيه، وفي كل مكان يوافقهم في مطالع الهلال، أما من لم يوافقهم في مطلع الهلال فإنه لم يره لا حقيقة ولا حكمًا.

قالوا: وكذلك نقول في قول النبي ﷺ: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»؛ فإن من كان في مكان لا يوافق مكان الرائي في مطلع الهلال لم يكن رآه لا حقيقة ولا حكمًا.

قالوا: والتوقيت الشهري كالتوقيت اليومي، فكما أن البلاد تختلف في الإمساك والإفطار اليومي، فكذلك يجب أن تختلف في الإمساك والإفطار الشهري، ومن المعلوم أن الاختلاف اليومي له أثره باتفاق المسلمين؛ فمن كانوا في الشـرق، فإنهم يمسكون قبل من كانوا في الغرب، ويفطرون قبلهم أيضًا. فإذا حكمنا باختلاف المطالع في التوقيت اليومي، فإنه مثله تمامًا في التوقيت الشهري. ولا يمكن أن يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، وقوله ﷺ: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر الليل من ها هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»[2]؛ لا يمكن لأحد أن يقول: إن هذا عام لجميع المسلمين في كل الأقطار، وكذلك نقول في عموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وقوله ﷺ: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»[3].

هذا القول كما ترى له قوته؛ بمقتضـى اللفظ، والنظر الصحيح، والقياس الصحيح أيضًا؛ قياس التوقيت الشهري على التوقيت اليومي.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر لولي الأمر في هذه المسألة؛ فمتى رأى وجوب الصوم أو الفطر مستندًا بذلك إلى مستند شـرعي، فإنه يعمل بمقتضاه؛ لئلا يختلف الناس ويتفرقوا تحت ولاية واحدة. واستدل هؤلاء بعموم الحديث: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس»[4]. وهناك أقوال أخرى ذكرها أهل العلم الذين ينقلون الخلاف في هذه المسألة. اهـ كلام ابن عثيمين.

هذا، وقد رجح الشـيخ الألباني رحمه الله القول الأول، وهو وجوب الصـيام على جميع المسلمين إذا رؤي الهلال في بلد واحد، إلا أنه يرى العمل الآن بالرأي الآخر حتى يتفق المسلمون على العمل بمقتضـى القول الأول؛ منعًا لوقوع الخلاف والفرقة[5].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة