هل الدم نجس؟
يختلف دم الحيض عن غيره من الدماء.
أما دم الحيض فنجس؛
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن خولة بنت يسار رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه؟ قال: «فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره، قال: «يكفيك الماء ولا يضـرك أثره»[1].
وأما غيره من الدماء
فالراجح أنه طاهر؛ سواء كان مسفوحًا أو غير مسفوح؛ لما رواه أبو داود، وابن خزيمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفيه أن رجلًا من المسلمين قام يصلي يكلأ النبي ﷺ وأصحابه، فجاء رجل من المشـركين فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعه -يفعل ذلك ثلاث مرات- الحديث[2]. هذا الحديث دليل على أن الدم ليس بنجس، كما أنه لا ينقض الوضوء؛ إذ لو كان نجسًا لخرج هذا الصحابي من الصلاة، ويبعد أن يكون النبي ﷺ لم يعلم بهذه الحادثة لتوفر دواعيهم على السؤال عن مثل ذلك.
وعن الحسن البصـري رحمه الله قال: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم[3]، وعصـر ابن عمر رضي الله عنهما بثرة -أى خُراجًا- فخرج منها الدم ولم يتوضأ[4]، ونزف ابن أبي أوفى دما فمضـى في صلاته[5]، وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه نحر جزورا، فتلطخ بدمها وفرثها ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ[6].
والأصل في الأشياء الطهارة، ولم يدل دليل صريح على نجاسة الدم، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمر بغسل الدم إلا دم الحيض.
وأما قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ [الأنعام:145] فالضمير في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ يعود إلى أقرب مذكور، فالرجس المقصود في الآية يعود إلى لحم الخنزير.
أورد النووي والقرطبي وغيرهما في كتبهم الإجماع على نجاسة الدم، وقد عارض هذه الدعوى الشـيخ الألباني رحمه الله فقال: (... ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة، فلا تترك إلا بنص صحيح يجوز به ترك الأصل، وإذ لم يرد شـيء من ذلك، فالبقاء على الأصل هو الواجب)[7].
وممن رجح طهارة الدم: صديق حسن خان، والشوكاني، رحمهم الله والألباني كما تقدم وللشـيخ ابن عثيمين تفصـيل في ذلك[8].
قلت: استدل الإمام النووي رحمه الله بحديث جابر المذكور على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء[9]، فكذلك يمكننا أن نستدل به أنه غير نجس لأن الصحابي أتم صلاته رغم خروج الدم.