الشـروط السابقة هي لثبوت القصاص؛ هل يثبت أو لا؟ فإذا ثبت القصاص، كانت هناك شـروط أخرى لتنفيذه، وهي ما نتكلم عنه في هذا الفصل؛ وهذه الشـروط هي:
(1) أن يكون الأولياء المستحقون مكلفين:
ومعنى (مكلف): أي: بالغ عاقل، والمقصود «بالمستحقين للقصاص» أولياء الدم، وهم ورثة المقتول؛ سواء كانوا من ذوي الفروض أم العصبة، نساءً ورجالًا، أزواجًا وزوجات، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة والصحيح من مذهب الشافعية.
وبناءً على ما تقدم من كون ولي الدم لا بد أن يكون مكلَّفًا، فلو كان صغيرًا أو مجنونًا؛ هل ينتظر حتى يبلغ الصغير أو يفيق المجنون؟ قولان للعلماء:
الأول: لا ينتظر بلوغ الصغير ولا إفاقة المجنون؛ لأن حق القصاص لكل وارث مستقلًّا، والمقصود من القصاص التشفي، وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
الثاني: ينتظر بلوغ الصبي وإفاقة المجنون، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وأيَّده صاحبا أبي حنيفة؛ لأن حق القصاص لا يثبت لكل واحد استقلالًا، ولكن على سبيل الشـركة، وعلى هذا فيحبس الجاني حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون.
قلت: واتفق الرأيان على انتظار الغائب، إلا إذا كان يتعذر وصول الخبر إليه؛ كالأسـير والمفقود فلا ينتظر، وإنما الخلاف في الصغير والمجنون.
وإذا لم يكن للمقتول وارث، فالأمر يرجع فيه إلى السلطان؛ لقوله ﷺ: «السلطان ولي من لا ولي له»[1].
(2) أن يتفق جميع الأولياء على القصاص:
فلو خالفهم واحد منهم وأسقط القصاص فلا قصاص؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة:178]، فقوله: «شـيء» نكرة في سـياق الشـرط، فيعم القليل والكثير.
(3) أن نأمن تعدي الضـرر لغير الجاني:
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ [النجم:38]، فإذا كانت المرأة حاملًا؛ سواء وقت الجناية أو بعدها؛ فإنه لا يقتص منها حتى تضع ولدها، وتفطمه إن لم يوجد من يرضعه.