حجم الخط:

عقوبة السارق:

قال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38]، فدل ذلك على أن حد السـرقة قطع اليد، وهذا ما ثبت من فعله ﷺ في قطع يد من سـرق في زمنه عليه الصلاة والسلام.

ويتعلق بذلك مسائل:

المسألة الأولى: محل القطع:

اتفق الفقهاء على أن محل القطع: اليد اليمني، ورأوا ذلك على الوجوب، وخالفهم ابن حزم فرأى أن قطع اليمني ليس على الوجوب، بل على الاستحباب؛ لأن الآية أطلقت ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] ولم تذكر يسـرى من يمنى، واستدل على ذلك بما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «سـرق سارق بالعراق في زمان علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقدم ليقطع يده، فقدم السارق يده اليسـرى ولم يشعروا فقطعت، فأخبر علي بن أبي طالب خبره، فتركه ولم يقطع يده الأخرى»[1].

واختلف العلماء إذا كانت اليمنى شلاء؛ فهل تقطع أو تقطع السليمة؟ وكذلك إذا كانت اليمنى مقطوعة، فهل يسقط القطع أو ينتقل إلى الرجل اليسـرى؟

المسألة الثانية: مكان القطع:

الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أن القطع يكون من الكوع (وهو الرسغ)[2]، خلافًا لمن قال: تقطع الأصابع فقط، أو من قال: القطع إلى المنكب.

المسألة الثالثة: إذا تكررت السـرقة:

إذا سـرق شخص عدة سـرقات قبل أن يقام عليه الحد، فرفع أمره إلى الحاكم؛ فيقام عليه حد واحد، ولكن الخلاف إذا تكررت منه السـرقة بعد إقامة الحد، فما العقوبة؟

الجواب: الذي ذهب إليه جمهور العلماء قطع الرجل اليسـرى في المرة الثانية، قالوا: وهذا ثابت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما [3]، وذهب عطاء بن أبي رباح أنه لا قطع عليه، وإنما يضـرب ويحبس، قال: «ما أرى أن تقطع إلا في السـرقة الأولى فقط، قال تعالى: ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ولو شاء أمر بالرِّجل، وما كان ربك نسـيا»[4]، وذهب ابن حزم وربيعة إلى قطع اليد اليسـرى؛ لأن الله تعالى أمر بقطع الأيدي، فإدخال الأرجل في القطع زيادة على النص.

وهذا الرأي قوي، لولا قضاء الصحابة رضي الله عنهم بخلافه - وفيهم الخليفتان الراشدان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما - لكان هو المعتبر، ولكن يقدم القول بقطع الرجل اليسـرى عليه لقضاء الصحابة به.

المسألة الرابعة: إذا تكررت السـرقة بعد ذلك:

اختلف العلماء بعد ذلك إذا تكرر منه السـرقة الثالثة والرابعة والخامسة، على مذاهب، والراجح من ذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه؛ أنه لا قطع بعد ذلك، وإنما يضـرب ويحبس، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه[5].

وذهب المالكية والشافعية إلى قطع اليد اليسـرى في الثالثة، ثم الرجل اليمني في الرابعة، ثم الحبس والتعزير، وهناك قول آخر أنه يقتل في الخامسة، وكلا القولين لم يحتج لقوله إلا بأحاديث ضعيفة لا تصلح للاستدلال.

المسألة الخامسة: الإحسان في القطع:

تكلم الفقهاء في طريقة تنفيذ عقوبة القطع، بأن يراعى الإحسان إلى المحدود، وذلك باختيار الوقت؛ فلا يكون في حر أو برد شديدين، ولا يكون المحدود مريضًا وقت إقامة الحد، ولا يعنف، ولا يسب، ويجلس وتشد يده بحبل حتى يظهر مفصل الذراع، وتقطع بقوة في مرة واحدة.

قلت: ولا مانع من استخدام الطرق الحديثة في قطع اليد، ثم تحسم اليد (توضع في الزيت لمنع نزيف الدم)، ولا مانع من استخدام الوسائل الطبية الحديثة في منع النزيف.

المسألة السادسة: هل يجوز زراعة العضو المستأصل في الحد أو في القصاص؟

الجواب: قرر المجمع الفقهي في قراره (60/9/6) ما يلي:

(1) لا يجوز شـرعًا إعادة العضو المقطوع تنفيذًا للحد؛ لأن في بقاء أثر الحد تحقيقًا للعقوبة المقررة شـرعًا، ومنعها للتهاون في استيفائها، وتفاديًا لمصادمة حكم الشـرع في الظاهر.

(2) بما أن القصاص شـرع لإقامة العدل، وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذًا للقصاص، إلا في الحالات التالية:

أ- أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص على الجاني بإعادة العضو المقطوع.

ب- أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه له.

ج- يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ.

المسألة السابعة: إذا لم تتم أركان إقامة حد السـرقة وشـروطها، فهل يترك من غير عقوبة؟

الجواب: لا يقام عليه الحد، ولكنه يعزر؛ كما تقدم في الحديث فيمن أخذ حريسة الجبل، والثمر المعلق، بأنه يغرم مثليه، مع جلد نكال.

كما أن السارق إذا سـرق في الثالثة أو الرابعة، فالراجح أنه يعزر بالضـرب والحبس كما تقدم.

المسألة الثامنة: هل يجمع بين الضمان والقطع؟

أي: هل نطالب السارق برد المال المسـروق، أو يكفي قطع يده؟

والجواب عن ذلك: أنه لا خلاف بين العلماء أنه إذا قطع يد السارق والعين (المسـروقة) موجودة؛ أنها ترد على صاحبها.

ولكن لو كانت العين المسـروقة تلفت، فهل يغرم السارق؟ اختلف العلماء؛ فيرى الحنفية أنه لا يغرم؛ لأن الله لم يذكر في الآية إلا القطع، وقال: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38]، فلو غرم لكان الجزاء زيادة على نص القرآن.

ويرى المالكية وجوب الضمان إذا كان السارق موسـرا، وإن كان معسـرا فلا يضمن.

ويرى الشافعية والحنابلة الجمع بين القطع والضمان، بأن يرد مثله إن كان مثليًّا، أو قيمته إن قيميًّا؛ سواء كان موسـرا أو معسـرا، قطعت يده أو لم تقطع؛ لأن القطع وجب لحق الله، والضمان لحق الآدمي، فلا يمنع أحدهما الآخر لاختلاف سببه، وذلك كالدية والكفارة في أحكام القتل الخطأ، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة