حجم الخط:

فصل: في إتلاف المال للغير:

معنى الإتلاف:

هو إخراج الشـيء من أن يكون منتفعًا به منفعة مطلوبة منه عادة. فهذا موجب للضمان؛ لأنه اعتداء وضـرر، وقد قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، والقاعدة الشـرعية: «لا ضـرر ولا ضـرار».

فعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضـربت بيدها فكسـرت القصعة، فضمَّها، وجعل فيها الطعام، وقال: «كلوا»، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة[1]. وفي الحديث عند أبي حاتم والدارقطني: «من كسـر شـيئًا فهو له، وعليه مثله»، زاد الدارقطني: «فصارت قضـية»[2].

ولا يشترط أن يكون الإتلاف نتيجة غصب الشـيء، أي أنه إذا أتلفه بأي سبب كان؛ كأن يكسـر إناءً لآخر، أو يقلع زرعًا له، أو يقتل بهيمة، أو غير ذلك.

ولا فرق كذلك بين أن يكون الإتلاف مباشـرة أو تسببًا غير مباشـر؛ مثل أن يفتح قفصًا فيه طائر فيطير الطائر فإنه يضمنه؛ لأنه تسبب في ذلك، ولا فرق كذلك بين أن يكون ذلك عمدًا أو خطأ، وسواء كان من بالغ أو صبي.

من نماذج التسبب في الإتلاف:

إذا فتح قفص طائر فطار، أو باب دكان فسـرقه اللصوص، أو باب إصطبل فخرجت البهائم وشـردت، أو حلَّ رباط سفينة فغرقت أو ذهبت بها الريح، ورأى بعض الفقهاء أنه لو رَوَّع إنسانًا فأصـيب بأذى ضمنه، وكذلك لو حبسه أو حال بينه وبين ماله حتى هلك ماله ضمن؛ لأنه منعه عن حفظ ماله.

يشترط في الشـيء المضمون بالإتلاف أن يكون مالًا متقومًا أي: يباح الانتفاع به شـرعًا، وعلى هذا فإذا أتلف خمرًا أو خنزيرًا لمسلم فإنه لا يضمنه، وكذلك إذا أتلف أصنامًا أو آلات اللهو لا يضمنها؛ لأن منفعتها محرمة، ولا يضمن إتلاف كتب الفسق والفجور والكفر؛ لإلحاقها ضـررًا بعقائد الناس، بل الواجب إتلاف هذه الكتب، والله أعلم.

ويرى الشـيخ ابن عثيمين، أن الذي يتلف هذه الأشـياء مَنْ كانت بيده (أي: صاحبها) أو ولي الأمر، حتى لا يحصل فوضـى وشـر أعظم إذا قام آحاد الناس بتكسـيرها أو تحريقها[3].

ما تتلفه المواشي:

(1) يجب على أصحاب المواشـي حفظها ليلًا، وعلى أصحاب الحوائط (البساتين) حفظها نهارًا، فإذا أفسدت المواشـي زروع قوم بالليل فعليهم الضمان؛ فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيهم، فكُلِّم رسول الله ﷺ فيها، فقضـى: «بأن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشـية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشـية ما أصابت ماشـيتهم بالليل»[4]. وعلى هذا فلا ضمان على أصحاب المواشـي إذا أفسدت بالنهار؛ لأن الواجب على أصحاب الزرع حمايته بالنهار.

ولا يعني ذلك أن صاحب الماشـية يرعى قريبًا من مزارع الناس؛ لأنه من المعلوم أن البهائم سوف تذهب إلى الزرع وتأكل منه، فلو رعى قريبًا من مزرعة ليس عليها جدار ولا شِبَاك ولا نحوه فأفسدت، ضمنها أيضًا صاحب الماشـية.

(2) إذا حفظت المواشـي ليلًا، ورعاها أصحابها بعيدًا عن مزارع الناس، ومع هذا أفسدت من غير تعدٍّ ولا تفريط من صاحبها، أو أنها في أثناء طريقها ضـربت بقدمها حجرًا فأصاب شـيئًا فأتلفه، فلا ضمان على صاحبها؛ لأن النبي ﷺ قال: «العجماء جُبَار»[5].

و«العجماء» هي البهائم، و«جُبَار»: أي: هدر، وهذه هي القاعدة في إتلاف البهائم، أنه جُبَار، ما لم يكن تفريط أو تعدٍّ من صاحبها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة