فصل: في حكم البسملة:
يتعلق بحكم البسملة مسائل:
المسألة الأولى: هل هي آية من الفاتحة أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: قالوا: هي آية من الفاتحة لترقيمها في المصحف على أنها آية من الفاتحة، وهذا مذهب الشافعية. قالوا: وهي آية في كل سورة عدا سورة (براءة) على الراجح في مذهبهم.
القول الثاني: قالوا ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وداود الظاهري.
القول الثالث: قال أحمد: هي آية في أول الفاتحة، وليست بقرآن في أوائل السور، وعنه رواية أنها ليست من الفاتحة. قال ابن قدامة رحمه الله: (وهي المنصورة عند أصحابه، وقول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي)[1].
والقول الثاني هو الذي رجحه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله واستدل القائلون بذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ عن رب العالمين قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال العبد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: ﴿ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ِ قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿ ٦ ﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»[2]، فلم يذكر في الحديث (البسملة)، وكانت آية ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ في وسط القسمة، وعلى هذا فتكون الآية السادسة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ والسابعة: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ .
وأما حديث أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ وعدها آية[3]، فلا يصح؛ لأن فيه ابن جريج وهو مدلس. تنبيه: قال النووي رحمه الله: (أجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مجمعًا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد؛ فإنه يكفر بالإجماع)[4].
قلت: الترقيم منقول إلينا تواترًا، وعلى هذا فالصواب هو أن كلا القولين صحيح، فهي آية في بعض الأحرف السبعة التي نزلت على النبي ﷺ وليست آية في غيرها من الأحرف السبعة وكل ذلك متواتر عن النبي ﷺ عند القراء العشـرة وضبط المصاحف العثمانية، ففي بعضها عدت آية وفي غيرها لم تعد آية، فمن قرأ بقراءة من عدَّها آية احتسبها آية، لكن الفقهاء لم يلتزموا بالقراءة وتنوع نظرهم في المسألة من الناحية الحديثية ولكل دليله الصحيح.
المسألة الثانية: هل تجب قراءتها مع الفاتحة؟ اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول: تجب قراءتها، وإلى ذلك ذهب كل من يرى أنها آية من الفاتحة.
القول الثاني: أن قراءتها سنة وليست بواجب، وهذا رأي الذين يرون أنها ليست آية من الفاتحة، ولحديث عائشة رضي الله عنها: «كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين»[5].
المسألة الثالثة: هل يجهر بها أم لا؟ على رأيين:
الأول: يرون الجهر بها فيما يجهر به؛ واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أنه صلَّى بأصحابه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، وقال: والذي نفسـي بيده إني لأَشْبَهُكم صلاة برسول الله ﷺ»[6].
الثاني: لا يجهر بها؛ واستدلوا على ذلك بحديث أنس رضي الله عنه قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم»[7]. قال ابن القيم رحمه الله: (كان النبي ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضـرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة)[8].