حجم الخط:

مسألة: حكم إبداء الزينة أمام بقية المذكورين في الآية السابقة:

أ- لباس المرأة أمام النساء:

قال تعالى: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ يعني: تبدي المرأة زينتها أيضًا أمام النساء.

قال ابن قدامة: (وعورة المرأة التي يجب سترها عن المرأة هي عورة الرجل بالنسبة للرجل: من السـرة إلى الركبة)[1]. يعني إذا أمنت الشهوة.

قلت: قد تقدم من فتوى اللجنة الدائمة أن ظاهر القرآن أنها لا تظهر إلا ما تظهره أمام المحارم، وهذا هو الراجح؛ لقوة الدليل على ذلك.

وقد نقلت كتب الحنفية عن أبي حنيفة أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى محارمه[2]، وسـيأتي مذهب الحنفية فيما يباح للرجل النظر إليه من محارمه.

فصل: وأما ما تبديه أمام المرأة غير المسلمة، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنها لا تبدي إلا وجهها وكفيها؛ لقوله تعالى: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ . قال القرطبي: (يعني: المسلمات، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشـركين من أهل الذمة، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شـيئًا من بدنها بين يدي امرأة مشـركة إلا أن تكون أمة عندها)[3]. وبهذا المعنى فسـرها ابن كثير.

قال ابن تيمية: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ احتراز عن النساء المشـركات؛ فلا تكون المشـركة قابلة للمسلمة، ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها، بخلاف الرجال[4].

وقد ذهب فريق آخر من العلماء -وهم الحنابلة- إلى أنه يجوز لها أن تبدي زينتها أمامها مثلما تبديها أمام المرأة المسلمة، وحملوا قوله تعالى: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ على جملة النساء، واستدلوا على ذلك أيضًا بأن أمهات المؤمنين لم يكنَّ يحتجبن عنهن ولا أمرن بحجاب.

والراجح من ذلك قول الجمهور، وأما ما استدل به الآخرون فلا يقوى حجة؛ لما ذهب إليه جمهور العلماء.

(ب) يجوز للمرأة إبداء زينتها أمام (أولي الإربة):

وهم الذين لا حاجة لهم في النساء، وهم: الذين في عقولهم وَلَه، وكذلك المخنث الذي لا يفطن إلى أمر النساء ووصفهن، فإن عُلم منه شـيء من ذلك منع؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان عندها، وفي البيت مخنث؛ فقال المخنث لأخي أم سلمة -عبد الله بن أبي أمية- إن فتح الله لكم الطائف غدًا أدلك على ابنة غيلان؛ فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فقال النبي: «لا يدخلن هذا عليكن»[5].

واعلم أن الرجل إذا كان خصـيًّا أو مجبوبًا، فإنه لا يجوز إبداء الزينة أمامه أيضًا، ولا يحل له النظر إلى النساء؛ لأن الشهوة مستمرة في قلوبهم وإن عطل العضو.

(جـ) يجوز للمرأة إبداء زينتها أمام عبدها:

لقوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31]؛ فيشمل ذلك العبيد والإماء، ولما ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد كان قد وهبه لها قال: وعلى فاطمة رضي الله عنها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجلها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: «إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك»[6].

فهذا يدل على أن العبد له أن ينظر إلى مولاته لأجل الحاجة، ومما يؤيد هذا ما ثبت عن سليمان بن يسار عن عائشة رضي الله عنها قال: استأذنت عليها، فقالت: من هذا؟ فقلت: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قال: فقلت: عشـر أواق، قالت: ادخل؛ فإنك عبد ما بقي عليك درهم[7].

تنبيه: ليس كل من جاز له النظر إلى المرأة جاز له الخلوة بها، أو جاز أن يكون محرمًا للسفر معها؛ قال ابن تيمية: (وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرمًا يسافر بها كغير أولي الإربة؛ فإنهم يجوز لهم النظر، وليسوا محارمَ يسافرون بها، فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها ... فالآية رخصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم، وحديث السفر ليس فيه إلا ذوو المحارم)[8].

(د) يجوز للمرأة إبداء الزينة أمام الأطفال الصغار غير المميزين:

لقوله تعالى: ﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31]. قال ابن كثير: (يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن؛ من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشـية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إذا كان مراهقًا أو قريبًا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء؛ فلا يُمَكَّن من الدخول على النساء)[9].

وعن جابر رضي الله عنه: «أن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة، فأمر النبي ﷺ أبا طيبة أن يحجمها»، قال: حسبت أنه قال: أخاها من الرضاعة، أو غلامًا لم يحتلم[10].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة