مسألة: حكم الأعمال المسماة (استشهادية أو انتحارية)!!
ظهرت هذه المسألة في زماننا؛ وذلك بأن يلقي بعض المجاهدين بنفسه أو بسـيارة معه بعدما يلغم نفسه وسـيارته بالألغام، ويفجر ذلك في العدو، وذلك يسبب للأعداء خسائر فادحة، أو إضعافًا لعزمه، ويعلم ذلك المجاهد يقينًا أنه سـيموت بسبب هذا الانفجار، فهل هذا العمل الذي يسميه بعضهم (استشهادًا) ويسميه بعضهم (انتحارًا)؛ هل هو صحيح؟
الجواب: خلاصة ما أفتى به العلماء: أن هذه العمليات جائزة إذا ترتب عليها مصلحة كبيرة للإسلام والمسلمين، وأن من يقوم بهذه العملية شهيد إن صدقت نيته مع الله، وهناك أدلة يمكن الاستدلال بها على جواز هذه العمليات الاستشهادية؛ منها:
(1) قصة الغلام الذي دل الملك على الكيفية التي يقتله بها نصـرة للدين؛ إذ آمن الناس وقالوا: آمنا برب الغلام.
(2) قصة البراء بن مالك في معركة اليمامة؛ إذ أمر أصحابه أن يحملوه في ترس على الرماح، ويلقوه داخل الحصن حتى فتح باب الحصن[1].
(3) قصة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه في القسطنطينية، وفيها أن رجلًا من المسلمين حمل على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله؛ يلقي بنفسه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية[2] هذا التأويل، إنما نزلت فينا معشـر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصـروه، فقال بعضنا لبعض سـرا - دون رسول الله ﷺ-: إن أموالنا ضاعت، وإن الله أعز الإسلام، وكثر ناصـروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه ﷺ الآية[3].
(4) عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت رجلًا سأل البراء بن عازب: أرأيت لو أن رجلًا حمل على الكتيبة وهم ألف؛ ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: «لا، ولكن التهلكة أن يصـيب الرجل الذنب، فيُلقي بيده ويقول: لا توبة لى»[4].
وهذا ما اتفق عليه العلماء في فتاوى قريبة لهذا المعنى: فقد نقل الإمام النووي في شـرح مسلم الاتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد[5].
وقال أبو بكر بن العربي: (والصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم؛ لأن فيه أربعة وجوه: طلب الشهادة، ووجود النكاية بالعدو، وتجرئة المسلمين عليه، وضعف نفوسهم؛ ليروا أن هذا صنع واحد فما ظنك بالجميع؟)[6].
وغير ذلك من الأدلة والآراء التي تدل على مشـروعية هذه العمليات، وهو ما أفتى به علماء مجمع الفقه الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، ولكن لا بد لصحة هذا العمل الاستشهادي من شـروط:
(أ) ألا يكون عملًا فرديًّا، وإنما يكون بإذن الإمام.
(ب) أن يكون مقصوده إعلاء كلمة الله ونصـرة دينه.
(ج) مراعاة المصلحة في ذلك؛ بأن يغلب على الظن تحقيق نكاية بالعدو، وألا يكون هناك ضـرر محقق يقع على المسلمين.
(د) أن يتجنب قتل النساء والأطفال، إلا إذا كانوا تبعًا لا قصدًا، كما هو الحال في فلسطين، فإن النساء هناك يعددن من المقاتلة، ومن المحاربين.
تنبيه: ما يفعله بعض الشباب من الحركات الإسلامية من تفجيرات يريق بها دماء المسلمين، ويزهق أرواحهم عمل لا أساس له من الدين، وليس هذا من الجهاد المشـروع، لأن حرمة القتل للمسلم والمستأمن ثابتة بالكتاب والسنة، ولا يمكن أن يزال هذا الأصل بما يرد على عقول هؤلاء الشباب من شبهات، كأن يعتمدوا على فتوى التترس، وقد تقدم وجه الصواب فيها، أو كقولهم: «يبعثون على نياتهم»، فيبيحون قتل معصومي الدماء بمثل هذه الظنون، وهذا من التضليل في دين الله، وسطحية الفهم لمعاني القرآن والسنة[7].