مسألة: حكم الإجارة على الطاعات:
لا يصح أن يستأجر الإنسان على (قُرَب) مفروضة عليه؛ لأنه عمل يرجى به ثواب الآخرة، فلا ينبغي أن يراد عمل الدنيا بعمل الآخرة، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن إمام قال لقوم: (أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهمًا؟ قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟)[1]. وقد اختلفت آراء العلماء في جواز أخذ الأجرة على أعمال القرب؛ كالإمامة والأذان وتعليم القرآن ونحو ذلك وهم فريقان:
الفريق الأول: يرى عدم جواز أخذ الأجرة؛ وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد، وأدلتهم على ذلك:
(1) عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: إن آخر ما عهد إليَّ النبي ﷺ أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا[2].
(2) وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: علَّمتُ ناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا، قال: قلت: قوس وليس بمال، قال: قلت: أتقلدها في سبيل الله، فذكرت ذلك للنبي ﷺ وقصصت عليه القصة، قال: «إن سـرك أن يقلدك الله قوسًا من نار فاقبلها»[3].
(3) وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به»[4].
الفريق الثاني: يرى جواز أخذ الأجرة؛ وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد -إلا أن الشافعية منعوا الإجارة على الإمامة في الفروض، والمالكية منعوها إذا انفردت عن الأذان- وأدلة هذا الفريق:
(1) قوله ﷺ: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»[5].
(2) تزويج النبي ﷺ صحابيًّا بما معه من القرآن[6]، فجعل القرآن عوضًا عن المهر، فكذلك تجوز الإجارة على تعليمه.
(3) أن النبي ﷺ أجاز للراقي بالفاتحة أخذ الجعل، وقال له: «لقد أكلت برقية حق، كلوا واضـربوا لي معكم بسهم»[7].
(4) قالوا أيضًا: حتى لا تتعطل المصالح؛ لأن الناس لو انشغلوا لحاجاتهم ضاعت مصالح الدين.
وللشـيخ ابن عثيمين كلام حسن في ذلك؛ فإنه قسم القربات إلى قسمين، قسم لا يقع إلَّا قربة، وقسم يقع قربة وينتفع به الغير:
فقال عن الأول: لا يصح عليه الإجارة؛ كالأذان والإمامة وقراءة القرآن.
وقال عن الثاني: يصح أخذ الأجرة عليه؛ كتعليم القرآن وتدريس العلم ونحو ذلك.
ثم أورد استشكالًا عند بعض طلاب العلم فيما يأخذه الأئمة والمؤذنون والدعاة من رواتب، فقال: (هذا الذي تأخذونه ليس أجرة، ولكنه حق تستحقونه من بيت المال... فكل من عمل عملًا متعدِّيًا للمسلمين، فله حق من بيت المال، على حسب نتيجة هذا العمل وثمرته)[8].