مسألة: حكم قتال العدو إذا تترس بالمسلمين:
هذه المسألة ظهرت أيام حروب التتار؛ إذ إنهم كانوا يضعون أمامهم أسـرى المسلمين يتترسون بهم؛ حتى لا يرميهم أحد من المسلمين، خشـية أن يصـيب المسلمين، فنشأ السؤال عن حكم رمي العدو في هذه الحالة علمًا بأنه قد يصـيب التُّرس:
قال ابن قدامة: (وإن تترسوا بمسلم، ولم تدع حاجة إلى رميهم؛ لكون الحرب غير قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شـرهم؛ لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلمًا فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين[1] جاز رميهم؛ لأنها حال ضـرورة، ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين، لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي.
قال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم... وقال القاضـي والشافعي: يجوز رميهم إن كانت الحرب قائمة؛ لأن تركه يُفضـي إلى تعطيل الجهاد)[2].
وقال القرطبي: (قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضـرورية كلية قطعية، فمعنى كونها (ضـرورية) أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها (كلية): أنها قاطعة لكل الأمة حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها (قطعية): أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعًا)[3].
وعلى هذا فشـروط قتل الترس ما يلي:
(1) أن تكون الحرب قائمة، والحاجة تدعو إلى رميهم.
(2) أن يقصد قتل الكفار، لا قتل المسلمين.
(3) أن تكون المصلحة ضـرورية كلية قطعية.
وعلى هذا فلا يجوز مثلًا قتل المسلم المجاور للمشـرك؛ لأنه لم يتترس به، بل ذهب العلماء إلى أنه لا يجوز رميهم إذا لم نتوقع مضـرة منهم.
إذا علمت هذا، فاعلم أن ما تفعله بعض الحركات الإسلامية من قتل بعض أفراد الأمن المركزي؛ مستدلين على ذلك بفتوى التترس بعيد جدًا، فهم ليسوا كفارًا، وليست هناك حرب قائمة، ولم يتترس بهم أحد، ثم إن المفاسد في قتلهم لا يحصـيها إلا الله[4].