اختلفت الآراء فيمن مات وعليه صـيام؛ هل يصوم عنه غيره؟ على النحو الآتي:
الرأي الأول: ذهبوا إلى أن من مات وعليه صوم صام عنه وليه؛ سواء كان صومه عن فرض رمضان أو صوم نذر ونحوه، واستدل هؤلاء بالأحاديث الآتية:
(أ) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صـيام، صام عنه وليه»[1]، هكذا على العموم، لم يخص نذرًا عن غيره.
(ب) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فأقضـيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضـيه عنها؟» قال: نعم: قال: «فدين الله أحق أن يقضـى»[2]. وقوله: «فدين الله أحق أن يقضـى» يشعر بعموم الحكم؛ سواء كان الصوم نذرًا أو غير نذر، وهذا مذهب الظاهرية، وأحد قولي الشافعي. قال النووي رحمه الله: (وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صحَّحه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصـريحة)[3].
الرأي الثاني: ذهب فريق من العلماء إلى أنه لا يصام عنه إلا صوم النذر، وأما صوم رمضان فيكفي في ذلك الإطعام عنه، واستدلوا بما ثبت عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنهما أفتيا بذلك، وهما راويا الحديث كما تقدم، فهما أعلم بمراد الحديث؛ وأنه خاص بصوم النذر:
أما أثر عائشة رضي الله عنها فعن عمرة أن أمها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضـيه عنها؟ قالت: «لا؛ بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين»[4].
وأما أثر ابن عباس رضي الله عنهما فقد قال: «إذا مات الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر، قضـى عنه وليه»[5].
واستدلوا أيضًا بما ورد في بعض طرق حديث ابن عباس السابق، وفيه قول السائل: «إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر». قالوا: فهذا خاص بالنذر، وهذا مذهب أحمد والليث وإسحاق وأبي عبيد.
الرأي الثالث: ذهبوا إلى أنه لا يصام عن الميت لا نذر ولا غيره، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك.
والصحيح هو الرأي الأول؛ لعموم حديث عائشة رضي الله عنها، ولعموم قوله ﷺ: «فدين الله أحق بالقضاء» في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأما ما أفتى به ابن عباس وعائشة فالقاعدة في ذلك: إذا أفتى الراوي بخلاف مرويه فالعبرة بما روى لا بما رأى، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه ابن حجر والنووي[6]، ورجَّحه أيضًا ابن عثيمين رحمه اللهفي «الشـرح الممتع».