(أ) أحق الناس بحضانة الصغير هم والداه، فلا ينزع من والديه؛ لأنهما أرعى الناس له، وأحفظ الناس لمصالحه، ويتحقق هذا عند وفاق الزوجين وعدم تفرقهما.
(ب) إذا تفرق الزوجان، فالأم هي الأحق بحضانة الصغير؛ لما ثبت في الحديث عن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، فأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ: «أنت أحق به ما لم تنكحي»[1]. فدل ذلك على أنه إذا افترق الأبوان، وبينهما ولد، فالأم أحق به من الأب، ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضـي تخييره.
(جـ) إذا كان هناك ما يمنع من حضانة الأم انتقلت الحضانة إلى غيرها، ولكن اختلف العلماء في ترتيب أصحاب الحقوق في هذه الحضانة بعد الأم.
ومنشأ الخلاف مبني على تعليل الحكم السابق من تقديم الأم على الأب؛ هل هو بسبب تقديم جهة الأمومة على الأبوة؟ وعلى ذلك فيقدم نساء أقارب الأم على أقارب الأب، وهذا هو قول الجمهور. أو أن السبب تقديم الأم لأجل أنوثتها فقط؟ فعلى هذا يقدم نساء أقارب الأب على نساء أقارب الأم؛ لأنهن متساويات في الأنوثة، ويفضل نساء الأب بالعصبة.
وهذا الثاني هو الذي نص عليه (الخرقي) في (مختصـره)، ورجَّحه شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذلك ابن القيم رحمه الله[2]، ورجحه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله[3].
فعلى القول الأول يكون الترتيب للحضانة كالآتي:
- ثم أم الأم وإن علت، ثم أم الأب.
- ثم الأخت الشقيقة، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب.
- ثم بنت الأخت الشقيقة، ثم بنت الأخت لأم.
- ثم الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم الخالة لأب.
- ثم بنت الأخ الشقيق، ثم بنت الأخ لأم، ثم بنت الأخ لأب.
- ثم العمة الشقيقة، فالعمة لأب.
فإذا لم يوجد للصغير قريبات من النساء من هذه المحارم، انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم، ومن الرجال على حسب ترتيبهم في الإرث. فإن لم يوجد انتقل إلى محارمه من الرجال غير العصبة. فإن لم يوجد عين القاضـي من يقوم على حضانته[4].
فقد وضع ابن تيمية ضابطًا لحضانة الطفل بعد الأم يتلخص فيما يلي:
(1) الأحق بالحضانة هم أقرباء الطفل من جهة الأب.
(2) إذا اجتمع منهم اثنان فأكثر فحكمه كالآتي:
(أ) إذا استوت درجتهم تقدم الأنثى على الذكر؛ فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم. فإن كانا ذكرين أو أنثيين؛ كأن يكونا أخوين أو أختين؛ يقدم أحدهما بالقرعة.
(ب) وإن اختلفت درجتهما من الطفل: فإن كانا من جهة واحدة، قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت على ابنة الأخت، والخالة على خالة الأب، وعلى خالة الأم.
وأما إن كانوا من جهتين كقرابة الأم وقرابة الأب، مثل العمة والخالة، والأخت لأب والأخت لأم، وأم الأب وأم الأم، وخالة الأب وخالة الأم؛ فإنه يقدم من في جهة الأب في ذلك كله، هذا كله إذا استوت درجتهم كما تقدم، أو كانت جهة الأب أقرب إليه من باب أولى.
وأما إن كانت جهة الأم أقرب؛ كأم الأم، وأم أب الأب؛ ففي هذه الحالة الأَولى أن يقدم الأقرب لقوة شفقته، ولا تقدم قرابة الأب إلا إذا تساوت الدرجتان.
ويلاحظ أن الفرق بين الرأي الأول والرأي الثاني هو أيهما يقدم عند التنازع وتساوي الجهتين: قرابة الأم أم قرابة الأب؟ فالأول: يرجح قرابة الأم؛ وعلى هذا تقدم أم الأم على أم الأب. والثاني: يرجح قرابة الأب فيقدم أم الأب على أم الأم، والمسألة اجتهادية، وقد قضت المحاكم بالرأي الأول، وبه يفصل النزاع، والله أعلم.